قدوس لا يعتريه النقص والضعف {لا تأخذه سنة ولا نوم} ، فلما كان صاحب هذا الأمر كاملا لا يحتاج إلى غيره، علومه كاملة، وعطاياه كاملة، فإن تخلف شيء من العطاء إنما هو لضعف في الخلق، وعدم استحقاقهم لكامل العطاء والمنح.
واعلم حفظك الله وهداك أن هذا الحق ليس بحاجة إلى رضا أحد من البشر، ولا يجوز للمسلم الواثق بكمال هذا الدين أن يطلب من الأغيار أعداء هذا الدين الرضا والقبول على هذا الدين، فإنه إن فعل ذلك دل على أنه مهزوم في نفسه، لا يثق الثقة الكاملة بهذا الدين. وهذه هي حقيقة الهزيمة، لأن الهزيمة ليست خسارة أرض وبلدان، ولا ضياع أولاد وخلان، ولا ذهاب أموال وأعراض وعمران، بل الهزيمة تخلي المسلم عن دينه، وإصابته في نفسيته من جهة ثقته بهذا الدين، ولذلك سيبقى السؤال قائما للتفريق بين إعلامين ودعوتين: هل علينا أن نسعى لإقناع الأغيار بوجودنا وحقنا في إثبات مواقفنا؟ وهل سيكون دور إعلامنا وكلماتنا ودعوتنا أن نقنع الأغيار (من كفرة ومبتدعة وضلال) بأنفسنا؟ فلعلنا ننال منهم نظرة رضا أو كلمة إعجاب، وقبول الوجود.
هل هذا هو دور الإعلام والنشرات والدوريات؟ أن نرتق الكلمات، ونخفي شيئا ونظهر شيئا، فنضع أيدينا على آيات ساطعة، وكلمات مضيئة حتى يرضى عنا الأغيار.
أم أن هذه القضايا لا تهمنا، بل همنا أن نظهر دين الله تعالى كما هو في نفسه من غير تقية ولا مناورة ولا جمجمة؟.
على أي حساب وضعنا هذه المقارنة فسيكون خيار أهل الثقة بهذا الدين هو خيار الذين باعوا أنفسهم لله وارتقبوا في كل لحظة التخطف من الأرض، واللحوق بالصادقين من هذه الأمة، هناك فرق بين التاجر مع الله والتاجر مع المال والدينار، وهناك فرق بين الحكمة المزعومة المكذوبة وبين الحكمة التي تحمل في طياتها أول ما تحمل كلمة الحق لأن الحق هو الحكمة، والحكمة هي الحق. هي قاعدة يعرفها أهل الإسلام، {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم} . أليست هذه آية محكمة وهي قاعدة في حصول الصراع بين الحق والباطل، وأن هذا الصراع سيبقى قائما مادمت مفارقا لباطلهم، ولن يسكتوا عنك حتى تكون مثلهم.
إن خوف حصول البلاء معناه ترك سبيل الله، وإن سلوك سبيل الله معناه وقوع البلاء، أما أن تسلك سبيل الله ثم تطلب حصول الأمان والرضا والاستقرار فهذا لعمري في القياس عجيب.
إن قاعدة التبرير بعد التقصير يتقنها كل الناس. وهذا القرآن الكريم مليء بحجج المنافقين وبحجج تاركي الحق، لكنها وإن تقنعت بقناع الحكمة والتروي والتبصر، فإنها مكشوفة عند أصحابها وعند أهل البصيرة وقبل ذلك عند علام الغيوب.
بل البلاء كل البلاء ومعاناة الأمة من صنوف العذاب والهوان والذل والضعف المبين، إنما يكون بالإعراض عن هذا الدين وترك الجهاد {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير} واعلم أن البلاء سنة كونية شرعية وهو واقع بالعبد لا محالة، فاختر لنفسك يا عبد الله أقوم السبيلين وأهدى الطريقين، واصبر على البلاء كي تؤجر فبلاء في طاعة الله وفي سبيله وابتغاء مرضاته خير من بلاء في معصية الله وإخلادا إلى الحياة الدنيا الفانية السريعة الزوال. وحياة في عز طاعة الله تفضي إلى رضوانه ونعيمه خير من حياة في الذلة والشقاء تفضي بالعبد إلى سخط الله وعقوبته {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} .