فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31891 من 36878

الكل موضع البعض للاتساع والمبالغة وتشبيه القليل بالكثير (3) .

(1) ابن تيمية، كتاب الأيمان: 34.

(2) ظ: المبرد: المقتضب في أغلب استعمالاته لإطلاق المجاز.

(3) ابن جني، الخصائص: 2/ 448.

وهذا التعليل من ابن جني قائم على أساس نظرة الموحدين وأهل العدل في مقولتهم «لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين» . فالله سبحانه وتعالى موجد القوة في الإنسان على القيام، والإنسان يؤدي ذلك القيام، ولكن لا بحوله ولا قوته، فليس هو قائما في الحقيقة، بل الطاقة التي أوجدها الله تعالى عنده، هي وما خوله إياه كانا عاملين أساسين في القيام، فلا هو بمفرده قائم، ولا القيام بمنفي عنه، وإنما هو أمر بين أمرين، فكان القيام بالنسبة اليه مجازا.

ولا يهمنا هذا بقدر ما يهمنا إشلرة إبن جني الى المجاز في عدة مواضع من الخصائص، لعل أهمها من يجعل فيه المجاز بعامة قسيما للحقيقة، متحدثا عنه وعن خصائصة بإطار بلاغي عام قد يريد به التشبيه والاستعارة والمجاز بوقت واحد، وذلك قوله: «إن الكلام لا يقع في الكلام ويعدل عن الحقيقة إليه إلا لمعان ثلاثة هي: الاتساع والتوكيد والتشبيه، فإن عدمت هذه الأوصاف الثلاثة كانت الحقيقة البتة» (1) .

ولا نريد ان ننقاقش إبن جني في هذا الاتساع وذلك التوكيد أو التشبيه كما فعل إبن الأثير (ت: 637 هـ) في متابعته هذه الوجوه، فذلك مما يخرج البحث عن دائرته الى قضايا هامشية لا ضرورة اليها، بل نقول أن المجاز في قيمته الفنية لا يختلف عن الحقيقة في قيمتها الفنية، فكلاهما يهدف الى الفائدة المتوخاة من الكلام. قال الحسن بن بشير الآمدي (ت: 370 هـ) «الكلام إنما هو مبني على الفائدة في حقيقته ومجازه» (2) .

وكان علي بن عيسى الرماني (ت: 386 هـ) وهو ممن عاصر ابن جني، ينظر الى الاستعارة باعتبارها استعمالا مجازيا، وعدّها أحد أقسام البلاغة العشرة، واكتفى بذكرها عن ذكر المجاز (3) ، مما يعني أنه يرى فيما هو قسيم للحقيقة مجازا وذلك صريح قوله: «وكل استعارة حسنة فهي توجب بيان ما لا تنوب منابه الحقيقة، وذلك أنه لو كان تقوم مقامه

(1) المصدر نفسه: 2/ 442.

(2) الآمدي، الموازنة بين الطائيين: 179.

(3) ظ: الرماني، النكت في إجاز القرآن: 76.

الحقيقة، كانت أولى به، ولم تجز، وكل استعارة فلا بد لها من حقيقة، وهي أصل الدلالة على المعنى. . . ونحن نذكر ما جاء في القرآن من الأستعارة على جهة البلاغة» (1) .

ومن هذا يبدوا أن الرماني قد لحظ المجاز بإطاره البلاغي العام، فكل ما كان غير حقيقي سواء أكان إستعارة أم مجازا فهو استعمال مجازي، وينظر لهذا بعشرات الآيات القرآنية، ويعطي المعنى الحقيقي، والمجازي بهذا المنظور الذي أوضحناه، شأنه بهذا شأن من سبقه الى النظرة نفسها. ففي قوله تعالى (ولمّا سكت عن موسى الغضب) (2) . قال الرماني «وحقيقته إنتفاء الغضب، والأستعارة أبلغ لأنه انتفى انتفاء مراصد بالعودة، فهو كالسكوت على مراصدة الكلام بما توجبه الحكمة في الحال، فانتفى الغضب بالسكوت عما يكره، والمعنى الجامع بينهما الإمساك عما يكره» (3) .

وفي قوله تعالى (لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم) ، (4) ينظر الرماني إلى المجاز في «ريبة» إلى أنه استعارة، مما يعني عدم وضوح التمييز بين المجاز والاستعارة عنده، وكلاهما مجاز بالمعنى العام عنده، إذ عبر الله عن البنيان بأنه ريبة، وإنما هو ذو ريبة كما يرى ذلك الرماني، وإذا صير هذا الاطلاق عليه فهو مجاز، والتعبير عنه بالاستعارة عند الرماني يعني أن النظرة للاستعارة والمجاز على حد سواء.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت