فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31892 من 36878

يقول الرماني في تعقيبه على الآية الكريمة «وأصل البنيان إنما هو للحيطان وما أشبهها، وحقيقيته إعتقادهم الذي عملوا عليه، والاستعارة أبلغ لما فيهامن البينان بما يحس ويتصور، وجعل البنيان ريبة وإنما هو ذو ريبة، كما تقول: هو خبث كله، وذلك أبلغ من أن يجعله ممتزجا، لأن قوة الذم للريبة، فجاء على البلاغة لا على الحذف الذي إنما يراد به الإيجاز في العبارة فقط» (5) .

(1) المصدر نفسه: 86.

(2) الأعراف: 154.

(3) الرماني: النكت في إعجاز القرآن: 87.

(4) التوبة: 110.

(5) الرماني، النكت في إعجاز القرآن: 91.

فالرماني الذي يعبر عن المجاز بالاستعارة، ويضع الاستعارة في التطبيق موضع البحث، إنما ينظر اليها باعتبارها عملا مجازيا يستدل به على وقوع المجاز في القرآن من وجه، وعلى دلائل الإعجاز القرآني من وجه آخر.

ويبدو ان نظرة البلاغيين في القرن الرابع من الهجرة كانت متحدة في هذا المقياس بأطاره العام، فهذا أبو هلال العسكري (ت: 395 هـ) قد أشار الى المجاز بمعناه الواسع ونظر له من القرآن الكريم في صنوف الاستعارات القرآنية، وقد أوضح رأيه في التنصيص على ذلك بقوله: «ولا بد لكل استعارة ومجاز من حقيقة، وهي أصل الدلالة علة المعنى في اللغة» (1) .

ويهمنا من هذا القول أنه جعل المجاز قسيما للحقيقة، واعتبر الاستعارة كذلك لا فرق بينهما وبين المجاز، وكانت تطبيقاته في هذا المنهج إستعارات القرآن.

والحق أن أبا هلال كان ذا حدس إستعاري، وحس بياني، وذائقة بلاغية ناضجة فيما أورده من شواهد قرآنية في هذا المقام، ففي قوله تعالى: (وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورا *) (2) . يقول أبو هلال: «حقيقته عمدنا، وقدمنا أبلغ، لأنه دلّ فيه على ماكان من إمهاله لهم، حتى كأنه كان غائبا عنهم، ثم قدم فأطلع على غير ما ينبغي فجازاهم بحسبه، والمعنى الجامع بينهما العدل في شدة النكير، لأن العمد الى إبطال الفاسد عدل، وأما قوله (هباءً منثورا) فحقيقته أبطلناه، حتى لم يحصل منه شيء، والاستعارة أبلغ، لأنه إخراج ما لا يرى الى ما يرى» (3) .

وكان السيد الشريف الرضي (ت: 406 هـ) قد ألف كتابين في المجاز: لهما أهمية نقدية وبلاغية في البحث البياني في القرآن وعند العرب وهما: «تلخيص البيان في مجازات القرآن» و «والمجازات النبوية» ، وكان

(1) العسكري، كتاب الصناعتين: 276.

(2) الفرقان: 23.

(3) العسكري، كتاب الصناعتين: 277.

إطلاق المجاز في هذين الأثرين يشمل الاستعارة والتشبيه والتمثيل والمجاز نفسه، كما سيتضح فيما بعد، لكنه في عرضه الاصطلاحي أضيق دائرة من فضفاضية الاستعمال الجاحظي، وعموميته عند الرماني، واتساعه عند إبن جني والوقوف به عند الاستعارة فحسب عند أبي هلال.

وقد عبر إبن رشيق القيرواني (ت: 456 هـ) أن العرب كثيرا ما تستعمل المجاز وتعده من مفاخر كلامها (1) .

ونظرته في هذا نظرة من سبقه في المعنى العام.

إذن فمصطلح المجاز بمعناه الواسع عريق من ناحيتين:

الأولى: استعمال النقاد والبلاغيين العرب له من قبل أن تتبلور دلالته الاصطلاحية الدقيقة.

الثانية: وروده في المظان البيانية واللغوية والتفسيرية بمعنى يقابل الحقيقة، وإن اشتمل على جملة من أنواع البيان، أو قصدت به الاستعارة باعتبارها تقابل الحقيقة لأنها استعمال مجازي.

والذي نريد أن ننوه به أن هذا الأصل معرّف بالأصالة منذ عهد مبكر في خطوطه الأولى، وليس هو من ابتكار المعتزلة، بقدر ما لهم من فضل في المساهمة فيه شأنهم بذلك شأن البلاغيين فيما بعد عصر الرضي وعبد القاهر.

3 ـ مجاز القرآن في مرحلة التأصيل:

يبدو أن إبن قتيبة (ت: 276 هـ) كان سباقا الى بحث المجاز في ضوء القرآن في كتابه «تأويل مشكل القرآن» ولكن التحقيق في الموضوع لديه لم يمثل عملا مستقلا في هذا الباب، بل شكّل بابا في الكتاب.

وكان الدور الذي قام به الشريف الرضي (ت: 406 هـ) دورا حافلا، إذ كتب «تلخيص البيان في مجازات القرآن» فكان بحثا متفردا ومتخصصا في الموضوع.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت