فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31922 من 36878

الاتيان من مثله دليل أصالة القانون البديهي بتفاوت درجات الكلام ومنازله، فكان القرآن أعلاها دون ريب، وكان معجزا بحق. ولو تساوى الكلام لانتهى الإعجاز، ولما كان الإعجاز باقيا كان بالضرورة تفاوت الكلام، وتفاوت الكلام إنما يتحقق بإيراد المعنى في طرق بيانية مختلفة وسبل هذه الطرق واضحة، وركيزتها الأركان الأربعة: المجاز، التشبيه، الاستعارة، الكناية، والتشبيه والاستعارة جزءان من المجاز، والكناية تعني المعاني الثانوية بل معنى المعنى بالضبط، فأركان البلاغة الأربعة جميعا قائمة على المجاز بمعناه العام، وهو المراد. إذن الدلالة المجازية في الألفاظ، منحة إضافية تمثل مرونة اللغة في الانتقال، وتطورها عند الاستعمال. وهذه الدلالة تقوم بعملية تصوير فني موحية، بإضافة جملة من المعاني الجديدة التي تدعم الزخم اللغوي، وتؤنق في عباراته دون تكلف أو تعسف، أو اقتراض للمفردات من اللغات الأجنبية أو المجاورة، لأنها تعود بذلك غنية عن أية استدانة معجمية من أية لغة عالمية أو إقليمية، هذا التأنق في اختيار المعاني، وهذا الأكتفاء في مفردات الألفاظ، مما يتماشى مع مهمة البلاغة العربية في مطابقة الكلام لمقتضى الحال، ومما يتلاءم مع الخصائص الأسلوبية للمجاز في رفد المخزون الدلالي للألفاظ. لهذا فقد كان سليما ما قرره في هذا المجال في صديقنا المفضال الدكتور عبد الله الصائغ من اعتباره المجاز «عبارة عن مغادرة المفردة لدلالتها المعجمية لتموين دلالة جديدة تسهم في الاتساع والتوكيد والادهاش» (1) .

والمجاز بعد هذا: هو حلقة الوصل بين الذات المعبرة وإراداتها المتجددة في المعاني المستحدثة، وهذا بعينه هو التطور اللغوي في اللغة الواحدة ذات المناخ العالمي في السيرورة والانتشار. وهما سمة لغة القرآن.

وهنا يجب أن لا يتطرق في انطباق مفهوم المجاز وحقيقته

(1) عبد الإله الصائغ، الصورة الفنية معيارا نقديا: 370.

الاصطلاحية على صنوف التعبيرات اللغوية، حتى وإن أريد بها معناها الأصل، لأن ذلك مما يشوه حقيقة البيان، ودلالته البلاغية، ومما يحمّل الكلام كثيرا مما لا تحتمل طاقته التي تنهض به الى مستوى التعبير الأدبي، فيعود ذلك تكلفا دون ضرورة اليه، وتمحلا، دون اتكاء البيان عليه، والتمحل والتكلف وسواهما من التعسف أحيانا مما ترفضه سجية النصوص الأدبية الراقية لا سيما في القرآن العظيم.

إلا أن ظاهرة هذا التكلف شائعة بين النحاة من جهة، وبين جملة من المفسرين من جهة أخرى، وقد تكون بينهما معا إذا كان المفسر نحويا أو النحوي مفسرا، وهذا مما يؤسف الوقوع فيه، والتمسك به، لأنه قد يتعارض بشكل وآخر مع الخصائص الأسلوبية لمجاز القرآن.

خذ مثلا قوله تعالى: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم. . .) (1) فقد ذهب بعض الأستاذة المعاصرين: أنهم قالوا أن فيه إطلاق الكل على البعض، والمراد تعجبك وجوههم، لأن الأجسام لا ترى كلها، وإنما يرى الوجه فحسب، ولا أرى تأويلا أبعد من هذا التأويل عن روح الآية، فالجسم وإن كان لا يرى كله، فمن المستطاع أن يدرك الإنسان بنظرة ما عليه الجسم من جمال يبعث على الإعجاب، وقد لا تريد الآية: تعجبك وجوههم، ولكنها تريد يعجبك ما عليه أجسامهم من ضخامة، وما يبدو فيها من مظاهر النماء والقوة، وما عليه وجوههم من جمال ونضرة (2) .

هذه الملحوظة وما قاربها، لا تخلو من وجه سديد فيما يبدو، إذ لا معنى للتكلف المفرط الذي يخرج النص عن ذائقته الفطرية، تصيدا لمعان قد لا تراد، ووجوه لا تستحسن، وعلاقات قد لا تستصوب.

وقد تنبه أستاذنا المرحوم الدكتور أحمد عبد الستار الجواري الى هذا المأخذ فعالجه وأشباهه معالجة فاحصة، ونقده بأدب واتزان تامين، فمس النحاة والمفسرين مسا رقيقا، وعاتبهم عتابا جميلا، وهو في معرض الحديث عن هذه البادرة مضافا الى الاستعمال القرآني الدقيق فقال: «ومن

(1) المنافقون: 4.

(2) أحمد أحمد بدوي: من بلاغة القرآن: 224.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت