فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 31927 من 36878

«ولما كان يوم القيامة تملؤه أحداث مرعبة، تملأ النفوس هولا يتسبب عنها لشدتها الشيب، وكان هذا اليوم ظرفا لتلك الأحداث، صح أن يسند الشيب إليه» (2) .

2 ـ وإذ يوصلنا الى يوم القيامة، فإن التعبير المجازي عن هذا اليوم يزداد جلاء، فيعكس الحدث مقترنا بذلك اليوم، ومنسوبا الى عوالمه الصامتة، وإذا بها ناطقة تتكلم، ومفصحة تعرب عما في الدخائل، ويتجلى هذا في كل من قوله تعالى:

(يومئذ تحدّث أخبارها *) (3) .

والضمير عائد الى متقدم لفظا ورتبة كما يقول النحاة، وتقدير الكلام عندهم: تحدث الأرض أخبارها، والحقيقة اللغوية أن يتحدث ذو النطق بألته، وذو اللسان بأداته، لا الجماد بعجمته، فهل هو تمثيل يعني: أن ما

(1) المزمل: 17.

(2) أحمد أحمد بدوي، من بلاغة القرآن: 223.

(3) الزلزلة: 4.

يحدث في ذلك اليوم، وما يجري فيه من الشدائد الهائلة، والشدائد تثير الهلع في النفس، والمنظور هنا نفساني لا شك، والتغيير الكوني يؤكد الاهتمام المتزايد لدى الإنسان، بعد زلزلة الأرض، وإخراج الأثقال، وذهول الإنسان لتلك الأحداث الجديدة، فهو يتسائل في حيرة وعجب واستغراب: (وقال الأنسان ما لها *) (1) فإذا أضفنا إليها السماوات بعوالمها، والأرض بكل مواقعها:

(يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار) هذه الكائنات كلها ناطقة بجمهرة من الأحداث، فهي تتحدث عنها، وتفصح عن أهوالها، كما يقال: رزء يعبّر عن كارثة، وخطب ينبي عن شدة، وليس الرزء معبرا حقيقة، ولا الخطب بمنبىء.

هذا المدرك المجازي يميل إليه الزمخشري بقوله: «والتحديث مجاز عن أحداث الله تعالى فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان» (2) . وهو الذي تميل إليه الدكتورة بنت الشاطىء:

«والذي نكمئن إليه، هو أن تحدث الأرض على الإسناد المجازي، فيه تقرير لفاعلية تستغني بها عن فاعل، وتأكيد للظاهرة الأسلوبية المضطردة في حرف النظر عمدا عن الفاعل الأصلي لأحداث البعث والقيامة. ثم لا يغيب عنا ما لهذا الصنيع البياني من قوة إثارة وإيحاء، فنحن نشهد صورة فنية معبرة، فنقول في إعجاب: إنها تكاد نتطق، والبيان القرآني المعجز لا ينطق الجماد فحسب، بل يجرد منه كذلك شخصية حية، فاعلة ناطقة مريدة مدركة» (3) .

ب ـ إن ما سبق لنا القول فيه تؤكده أحداث القيامة، من قول كما في قوله تعالى: (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مّزيد *) (4) .

أو فعل وقوة كقوله تعالى: (إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور *

(1) الزلزلة: 3.

(2) الزمخشري: الكشاف: 4/ 276.

(3) بنت الشاطىء، التفسير البياني: 1/ 92 وما بعدها.

(4) ق: 30.

تكاد تميّز من الغيظ *. . .) (1) ، أو شدة ناطقة فاعلة كقوله تعالى:

(يا أيها الناس أتّقوا ربّكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكنّ عذاب الله شديد *. . .) (2) وليست جهنم كائنا متكلما فتقول، وتستمع وتجيب، وإن كان ذلك غير بعيد إعجازا.

وليست النار جسما مريدا وفاعلا فنستمع لشهيقها أو هي تفور، أو تتميز من الغيظ.

وليس في القيامة إرضاع حتى تذهل المرضعة عن رضيعها، وليس هنالك وضع وولادة وإنجاب، حتى تضع كل ذلت حمل حملها.

إن التعبير بالمجاز بمعناه العام هو الذي صور هذه الأحداث بهذه الصور المثيرة، وأبانها بهذه الهيأة الناطقة، وسيّرها بهذه الإرادة التامة تنبيها للضمائر، وتوجيها للعقول، وتأثيرا على النفوس حتى تستعد لذلك اليوم الذي تنطق فيه جهنم، وتفور فيه النار حتى يسمع شهيقها، وحتى لتكاد تتقد من الغيظ وتنشق، ذلك اليوم الذي لو أرضعت فيه المرضعة لذهلب عن رضيعها، ولو توافرت فيه ذوات الأحمال لوضع أحمالها.

إذن هذه خصائص نفسية يحملها المجاز القرآني ونحتضنها تعبيره الفريد من أجل الإنسان. دربة منه على الحذر والاستعداد والتهيؤ التام.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت