أولًا - التأكيد على أن"الرحمة"خصيصة سائدة في شرع الإسلام كله، كتابًا وسنة، ونظامًا وحياة، وتعاملًا مع الآخر، في كل حال من سلم أو حرب، ومن تمكين أو ضعف، كما في قوله تعالى:
"هذا بصائر للناس، وهدى ورحمة لقوم يوقنون".
فالقرآن كله بمنزلة بصائر للقلوب، لأقوم حياة للناس كافة، وهداية للناس من الضلال، ورحمة للمهتدين به كما هو رحمة للمارقين من حيث تأخير عقوبتهم في الدنيا، لعلهم يهتدون .. فشريعة الإسلام رحمة كلها ..
ثانيًا - إن رحمة الله بمخلوقاته هي الصفة العظمى التي اختارها الله سبحانه لوصف نفسه بها، دون غيرها من الصفات، وهي كلها عظيمة وشريفة ..
فذكرها سبحانه في سورة الفاتحة التي لا صلاة لمن لا يقرأ بها - كما في صحيح الحديث - والتي سميت أم الكتاب، لاشتمالها على كليات العقيدة الإسلامية، فاختارها لتتوكد قيمة الرحمة- في كل صلاة- في وجدان المسلم .. بما في ذلك كل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها ..
ثالثًا - إن الرحمة كانت خصلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم تفارقه قط في كل سيرته، وفي كل مراحل حياته وأحواله، فكان - صلى الله عليه وسلم - كما قالت عائشة:"خلقه القرآن"الذي هو رحمة!
وقد قال له ربه - يحثه على نهج الرحمة:"خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين".. أي خذ ما عفا لك من أفعال الناس، وأخلاقهم، ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم حتى لا ينفروا .. كقوله - صلى الله عليه وسلم:"يسروا ولا تعسروا"..
وقد أمره الله بالمعرف، أي الجميل من الأفعال والأقوال .. ونهاه عن مكافئة السفهاء بسفههم، أو مماراتهم، وأمره بالحلم عنهم، والإعراض عن إساءتهم.
لقد أمره الله أن يصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه .. وأرسله ليتمم مكارم الأخلاق، وبشيرًا ونذيرًا ومربيًا ومرشدًا للعالمين .. وحجابًا للعالمين من عذاب الاستئصال والانتقام العام في الدنيا، لقوله تعالى:
"وما كان الله معذبهم وأنت فيهم".
ومن رحمته - صلى الله عليه وسلم - أن كان على أعلى درجة في الحرص على الناس والخوف الشديد عليهم من الهلاك والضلال، ورغبته الشديدة في رفع العنت عنهم، قال تعالى:
"لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم، بالمؤمنين رءوف رحيم".