رابعًا - لقد رفع الله ذكر نبيه في محكم التنزيل، ومن رفع الله ذكره لا يحط في الناس، وإن اجتمعوا له، وإنما يحطون من أنفسهم. فما صدر من ذلك من قبل الرسوم الكاركاتورية التي تسيء له ولدينه، من رجل دين مسيحي متعصب، أو إعلام غربي مصهين، بدعوى حرية التعبير، إنما هي إساءة لكل البشرية.
وبالمثل تلك الإساءات الأخرى كتصريحات بابا الفاتيكان المسيئة للنبي محمد - صلى الله عليه وسلم - أو صدور كتاب"نبي الخراب"على أوسع نطاق لمؤلف يتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقطع الطريق والشذوذ الجنسي .. كلها تسيء - في حقيقة الأمر - إلى تاريخ الإنسانية في حق الأنبياء والشرائع السماوية. إنها ردة حضارية! ونزعة إلحادية! ونكسة آدمية! تجاهلت حتى آراء المنصفين من علماء الغرب أنفسهم، ممن قالوا كلمة الحق وشهادة الصدق في النبي - صلى الله عليه وسلم - وعرفت له مكانته.
خامسًا - لقد جعل الله تعالى من محمد - صلى الله عليه وسلم -"أسوة حسنة"وقدوة عظمى للمؤمنين، يقتدي به كل إنسان يريد أن يؤدي رسالة حضارية على كوكب الأرض. قال تعالى:"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر".. وهي شهادة من الله تعالى"لكريم خصاله - صلى الله عليه وسلم -."
لقد أوجب الله التأسي به - صلى الله عليه وسلم - في كل أمور الدين ومهام الإصلاح. وهو مع ذلك ليس بدعًا من الرسل، بل كان بشرًا مثلهم، كما في قوله تعالى:"قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولًا".. أي رسولًا كسائر الرسول، بشرًا كسائر البشر، فالاقتداء به داخل في حدود البشرية، وهو المؤمنون مؤمورن بشرع الله كما في قوله تعالى:"فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير" [هود: 112] ، إنها الاستقامة التي صار عليها الرسول، على جادة الحق، غير عادل عنها، ولا خارج عن حدود الله، وكان المَعلم الأول والمرشد الأكبر في إزالة الطغيان وردع الظالمين وحكام الجور، وهو مع ذلك رحمة للحكام والمحكومين، ورحمة بالأمة جمعاء.
سادسًا- رحمات النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، وفي خطبته التاريخية فيها- في السنة العاشرة - حيث حج - صلى الله عليه وسلم - بالناس حجة، ودع فيها المسلمين ولم يحج بعدها ..
كانت سلسلة من الرحمات تلك الوصايا الجليلة التي اشتملت عليه خطبته: