فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 449411 من 466147

ينبغي للعبد، أن لا ينكر في هذه الدنيا وقوع هذه المصائب على اختلاف أنواعها، ومن استخبر العقل والنقل أخبراه بأن الدنيا مارستان المصائب، وليس فيها لذة على الحقيقة إلا وهي مشوبة بالكدر، فكل ما يظن في الدنيا أنه شراب فهو سراب، وعمارتها وإن أحسنت صورتها خراب، وجمعها فهو للذهاب، ومن خاض الماء الغمر لم يخل من بلل، ومن دخل بين الصفين، لم يخل من وجل.

فالعجب كل العجب، ممن يده في سلّة الأفاعي، كيف ينكر اللسع؟!

وأعجب منه، من يطلب من المطبوع على الضر النفع.

قال بعض الأدباء:

طبعت على كدر وأنت تريدها ... صفواً من الأقذاء والأكدار

قال أبو الفرج بن الجوزي: ولولا أن الدنيا دار ابتلاء لم تعتور فيها الأمراض والأكدار، ولم يضق العيش فيها على الأنبياء والأخيار، فآدم يعاني المحن إلى أن خرج من الدنيا، ونوح بكى ثلاثمائة عام، وإبراهيم يكابد النار وذبح الولد، ويعقوب بكى حتى ذهب بصره، وموسى يقاسي فرعون ويلقي من قومه المحن، وعيسى بن مريم لا مأوى له إلا البراري في العيش الضنك، ومحمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين يصابر الفقر، وقتل عمه حمزة وهو من أحب أقاربه إليه، ونفور قومه عنه، وغير هؤلاء من الأنبياء والأولياء مما يطول ذكره ولو خلقت الدنيا للذة لم يكن حظ المؤمن منها.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر» ، فإذا بان بأنها دار ابتلاء وسجن ومحن، فلا ينبغي إنكار وقوع المصائب فيها.

(فصل: في أن من يبتلي بالمصائب هو أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين)

ولا بد أن يعلم المصاب، أن الذي ابتلاه بمصيبته، أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأنه سبحانه، لم يرسل البلاء ليهلكه به، ولا ليعذبه، ولا ليجتاحه، وإنما افتقده به، ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه، وليسمع تضرعه وابتهاله وليراه طريحاً على بابه، لائذاً بجنابه، مكسور القلب بين يديه، رافعاً قصص الشكوى إليه.

قال الشيخ الإمام العالم العارف المكاشف عبد القادر الجيلاني - رحمة الله عليه - لابنه، يا بني، إن المصيبة ما جاءت لتهلكك، وإنما جاءت لتمتحن صبرك وإيمانك، يا بني، القدر سبع، والسبع لا يأكل الميتة.

انتهى كلامه.

والمقصود: أن المصيبة كير العبد الذي يسبك بها حاصله، فإما أن يخرج ذهباً أحمر وإما أن يخرج خبثاً كله، كما قيل:

سبكناه، وتحسبه لجيناً ... فأبدى الكير عن خبث الحديد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت