إبراهيم بن محمد بن عبد الله الريس .. صفاءٌ ونقاء، وثبات حتى الممات، نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدا ..
نفر مبكرًا إلى أرض العزة والكرامة، أرض الفداء والاستشهاد، وكان من قُدامى من ذهب إلى أفغانستان عامَ 1407هـ، وقد تدرب عند أبي برهان السوري مؤلف (موسوعة الجهاد) ، وكان من زملائه في الدورة الإمام العَلَم عبد الله عزام رحمه الله ..
وقد كان الشيخ إبراهيم رحمه الله حريصًا على الجهاد والمشاركة في المعارك، فلم يكن يطيب له القعود في المضافات والاستراحات، حتى إنه كان أحد القلائل الذين شاركوا في مأسدة الأنصار مع الشيخ أسامة حفظه الله، تنقّل بين الجبهات في أفغانستان ومكث مرابطًا قرابة السنتين هناك ..
عاد رحمه الله بعد ذلك إلى أرض الجزيرة عام 1409هـ وكانت بداية معرفتي به في حج هذه السنة، فقد التقيت به أيامَ التشريق وأحببته في الله لما كان يتميز به من خلقٍ رفيع وصفات طيبة ..
ثم زرت أحد الإخوة بعد الحج فقابلت الأخ إبراهيم عنده فسررت برؤيته وفرحت به وسافرت بعدها وانقطعت عن الإخوة قرابة سنة، فلما رجعت قابلته وكانت حرب الخليج على الأبواب، فسافر هو رحمة الله عليه إلى أفغانستان في تلك الأيام، ومكث مدةً هناك ثم عاد، ثم أخذ يتجول ويزور إخوانه في الله ويحثهم على الصبر والثبات، ويتكلم بما فتح الله عليه في حقيقة حرب الخليج وأنها احتلال لبلاد المسلمين من قبل الصليبيين، وأنما هي إلا لعبةٌ كبرى لأمريكا تبررُ بها دخول المنطقة واحتلال بلاد الحرمين وثرواتها، وقد سُجن في سجون الطواغيت رحمه الله عدة مرات، في عام 1410هـ سجن في شهر رمضان بكامله، وتهمتهُ اجتماعات مشبوهة - كما يقال -، والحق أنه كان يجتمع بإخوته في الله، يذاكرهم ويذاكرونه، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، يقيمون الصلاة ولا يخشون أحدًا إلا الله ..
قومٌ كرام السجايا أينما ذُكِروا ... يبقى المكانُ على آثارهم عَطِرا
ولم يكتف المجرمون بسجنه في شهر رمضان المبارك، بل لقد صادرت وزارة الداخلية السيارة التي كان الأخ إبراهيم قد ابتاعها للتو، وطلبوا منه أن يكتب خطابًا موجهًا لوزير الداخلية لاسترجاعها، ولكنه رفض أن يكتب شيئًا للطواغيت يستعطفهم به، وأنَّى ليدٍ رُفِعت ابتهالًا لله في جوف الليالي أن تُدَّنَسَ بكتابة مثل هذا الخطاب ..
ثم تعرض الأخ إبراهيم رحمه الله للسجن مرةً أخرى في مدينة حائل مع بعض الإخوان لكنه لم يمكث طويلًا، وفرَّج الله عنه، وكان تهمته أيضًا اجتماعٌ بإخوانه في الله، وكان في طريقه لزيارة بعض إخوانه في المدينة، ومن ثم الذهاب للعمرة في مكة، وبعد أن خرج وفقه الله للزواج من عائلة طيبة في القصيم، وبعد زواجه بأقل من شهر قامت هذه الحكومة المرتدة بحملةٍ مسعورة أرادت أن تكافئ بها شباب الأمة وأهليهم على سكوتهم عن كفرياتها خلال أيام الحرب، فأُلقي القبض عليه مع مجموعة من الإخوة بتهمة التخطيط لإسقاط الحكم، وأودع السجن مرةً أخرى، وأراد الضباط والمحققون تثبيت التهم ضد الإخوة حتى يتحصلوا على الامتيازات والعلاوات والترقيات، فحُكِم على مجموعة من الإخوة بالقتل، ثم خُفف الحكم إلى السجن لمددٍ تتراوح مابين عشرين إلى خمسة عشر سنة، ومجموعةٌ حُكم عليهم بالسجن سنتين أو ثلاث سنوات، والذي لم يستطيعوا أن يثبتوا عليه شيء أودعوه السجنَ حتى إشعارٍ آخر ..
وبعد سنة وثمانية أشهر منَّ الله عليه بالخروج، وبعد خروجه من السجن زرته وكانت نفسيته مرتاحة وطيبة، ومعنوياته عالية، وأخبرني أنه يرغب في زيارة إخوانه، ثم أخذ - رحمه الله - كعادته يتنقل ويزور إخوانه ويناصحهم إذا رأى عليهم تقصيرًا، بالكلمة الطيبة والخُلُقِ الرفيع، ولقد عرفته رحمه الله كريمًا شهمًا فاضلًا، وأذكر أنه زارنا أحد الإخوة من الحجاز، وكانت أموره المادية ضعيفة، وكانت عنده سيارة قديمة رديئة، فقام الأخ إبراهيم رحمه الله بإعطائه سيارته الخاصة وكانت حالتها جيدة وحديثة الموديل، وأخذ سيارة الأخ، فرحمه الله رحمةً واسعة ..