كان ذليلًا على المؤمنين عزيزًا على الكافرين، فيه ذلة وخدمة عجيبة لكل مسلم، وفيه شدة وغلظة وكره عظيم لكل كافر، نحسبه ممن وصفهم الله عز وجل بهذه الصفات، ولما جاءت مداهمة استراحة الأمانة كان من أوَّل من خرج لقتال جنود الطواغيت وكان أسدًا هصورًا لا يتردد ولا يهاب فأقدم وقاتلهم قتال الشجعان حتى نصر الله المجاهدين في تلك المعركة وخرجوا من الموقع سالمين غانمين لم يفقدوا غير الخروف الذي سرقته كلاب المباحث.
ألحَّ على القادة بطلب عملية استشهادية، ولما رفض الأمير بكى بكاءً شديدًا حتى رحمه من رآه، وكأنَّه فقد عزيزًا عليه، وكرر الطلب مرارًا، ولما تأكَّد من أنَّ الأمير لن يسمح له بعملية استشهادية، ترك الطلب وألحَّ على الله بالدعاء أن يرزقه الشهادة، وكان يشتاق إلى لقاء الله عز وجل، فسرعان ما أجاب الله دعوته واختاره إلى جواره.
وكان بينه وبين الشهيد مساعد السبيعي رحمه الله أخوّةٌ ومحبة وصحبة خاصَّة، فكانا دائمًا معًا في جميع أمورهما، ولم يُر بينهما خلاف ولا نزاع أبدًا، وافترقا في الفترة الأخيرة قبل استشهادهما بين مجموعتين، فكان كل منهما في مجموعة يؤدي عملًا خاصًّا به، ولما جاء القدر المحتوم، جمع الله بينهما في الشهادة كما جمع بينهما في الحياة، فاجتمعا في استراحة يوم العيد، ولما خرجوا منها خرج البطل مساعد السبيعي يقود السيارة، وكان هو في حقيبة السيارة حاملًا البيكا يُغطِّي على إخوانه ويرمي أعداء الله، ويكبّر بصوتٍ مرتفعٍ تكبيرًا أرعب أعداء الله، ولما أصابته الطلقة في أثناء التكبير انخفض صوته في التكبيرة وأكملها بصوت منخفض، وسكت حتّى ظن إخوانه أنه استشهد ثم تحامل على نفسه وحمل البيكا مرة أخرى وتشهد بصوتٍ عالٍ وأخذ يرمي أعداء الله في الرمق الأخير من حياته حتى فاضت روحه إلى بارئها، ولقي الله عز وجل شهيدًا، نحسبه والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا.
منذ دخل شهر رمضان الذي كان آخر رمضان صامه الشهيد وهو متغيرٌ تغيرًا ملحوظًا فقل مزاحه وازداد نور وجهه، وزادت أخلاقه طيبًا وحسنًا، وكأنَّه يعلم بموعده مع الشهادة بعد نهاية ذلك الشهر، وفي يوم العيد الذي كان عيدًا أكبر له ولأخيه مساعد بالشهادة في سبيل الله بإذن الله تعالى.
بعد مقتله بشهرٍ سُلِّمت جثّته الطاهرة إلى أهله، فوجدوا جرحه ينزف دمًا كأنَّه جرحٌ جديدٌ، ووجهه مبتسم كأنه نائمٌ، ودفنوه بعد أن أخَّر الطاغوت دفنه شهرًا في سبيل تحقيقات تافهة وأمور باطلة، وما ضره ما فعلوه وهو في النعيم المقيم بإذن الله، وعند الله يجتمع هذا البطل مع خصومه الذين أراقوا دمه الزكيَّ لينال الشهادة وينالوا خزي الدنيا والآخرة.
عبد الرحمن بن عبيد الله الخلف الحربي اسم يعرفه الصليبيون جيدًا فكم أقلقهم وأقض مضاجعهم، اسم يعرفه الطواغيت العملاء فكم أتعبهم بعبقريته وذكائه الوقاد حتى خرج كبيرهم فرحًا مستبشرًا بمقتله.
لله درك يا مُذلَ طغاتهم ... تالله إنك أشجعُ الشجعان
ولد عبد الرحمن في القصيم في بيت عُرف أهلهُ بالاستقامة واتباع السنة لوالدين صالحين، فكانت الثمرة أبناء صالحين منهم عبد الرحمن وكان هو الرابع من إخوته.
أعرفه منذ أن كان صغيرًا ترى في عينيه الذكاء الحاد وترى فيه الهمة العالية إذا جلست معه وحادثته انبهرت لسرعة بديهته وحدة فطنته وسعة اطلاعه على مختلف العلوم الشرعية والعسكرية فلا تتعجب بعد ذلك إذا لقبه المجاهدون بالمهندس الصغير.