حرٌ سمعتُ توجُّع الأحرارِ ... بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الشهادة في سبيله طريقا يسير بنوره المجاهدون ويهتدي بمناره السائرون، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
وبعد:
عندما رفع علم الجهاد في العراق ونادى المنادي؛ حي على الجنان، لبى الصادقون المخلصون من كل حدب وصوب، ونادوا بأعلى أصواتهم؛ لبيك اللهم جهادا وشهادة في سبيلك، فانحدرت جموع المجاهدين إلى ارض الرافدين، يبذلون المال والأرواح، ويتسابقون إلى بلاد الأفراح، حيث الجنان الحور الملاح.
وعند ذاك صاح الناعقون، وأرجف المنافقون قائلين لمن هاجر ليجاهد:
علامَ خرجتَ؟ قلتُ: لأنني
كي أفديهنّ بالنفس والأعمار ... وسمعت نوح المسلمات فقمت
فقد الأحبة تحت كل دمار ... ورأيت دمع يتيمة تبكي على
في خيمة محروقة بالنار ... ورأيت أمًّا تحتمي وصغارها
قد مزّقته قذائف الغدار ... ورأيت ثكلى فجّعت بوليدها
رفع الأكف لواحد قهّار ... ورأيت شيخًا قد تحدّب ظهره
عقباه تدمى لائذًا بفرار ... وبكيت حين رأيت طفلًا خائفا
حرًا فتيًا آخذًا بالثار ... والكل يسأل هل ترى من قومنا
شوقي إلى دار الخلود الباقية ... وغير بعيد عن أرض العراق؛ لبى المجاهدون من كل مكان نداء الرحمن، فرمت الجزيرة والشام فلذت أكبادها، وخيار رجالها، فجاءوا إلى ارض العراق ليرفعوا علم التوحيد والجهاد.
ومن هؤلاء الرجال الأسود؛ أسد الشام والرافدين، العالم المجاهد الشيخ أبو أنس الشامي رحمه الله.
إسمه؛ عمر يوسف جمعة.
ولد أبو أنس الشامي في منطقة السالمية الكويتية عام 1968م، وهو فلسطيني الأصل، وعاش طفولته في كنف والديه، ورباه والده منذ نعومة أظفاره على حب اللغة العربية، فكان متحدثا بالفصحى منذ أن بلغ الرابعة عشرة من عمره، وكان يكره اللهجة العامية ولا يمازح إلا بالفصحى.
كانت نشأته في بيوت الله تعالى، فتعلق قلبه بالمساجد، وحفظ القرآن الكريم في الخامسة عشرة من عمره، وبعد إتمام الثانوية العامة؛ توجه للدراسة الشرعية في الجامعة الإسلامية في الجزيرة العربية - المدينة النبوية المنورة - وهناك اجتمع إلى مشايخ الجهاد واقتنع بآرائهم وتشجع لها.
وحفظ الكثير من الكتب والمتون والأحاديث، حتى قال احد تلامذته؛ إن أبا أنس كان يحفظ الكثير من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
وفي بداية صيف العام 1990م - أي قبل الغزو البعثي للكويت -؛ سافر إلى أفغانستان بصحبة زميله في الجامعة أبي همام الفلسطيني، ومكثا في معسكر"الفاروق"للتدريب العسكري نحو ثلاثة أشهر، وأجادا خلالها استعمال الأسلحة الخفيفة ومضادات الطائرات وتصنيع المتفجرات.
ثم أديا القسم على عدم استخدام ما تعلماه ضد المسلمين، وذلك بعد مبايعة أمير المعسكر على السمع والطاعة في المنشط والمكره.
عاد بعد ذلك وقد تحولت حياته وتغير حاله، فأضحى يُبشر بالجهاد في كل مجلس يجلسه، وازداد حرصه على طلب العلم والدعوة إليه.
وفي صيف العام 1991م تزوج أبو أنس من فتاة فلسطينية، وكان أهلها يعيشون في"السعودية"، فعاشت مع زوجها في الأردن، واستقر بهما الترحال في حي"الإرسال"بمنطقة"صويلح"الأردنية، حيث عمل الشيخ إماما في مسجد"مراد"في الحي ذاته.
رزق أبو أنس بمولودته الأولى عام 1993م، واسماها ميمونة، ثم رزق بعد ذلك بنحو ثلاث سنوات بابنه أنس، ثم بعده بسنتين جاء ابنه مالك.
غادر أبو أنس الأردن إلى"السعودية"مرات عدة للقاء المشايخ والعلماء وطرح بعض الأسئلة عليهم ومناقشتهم في أمور كانت تؤرقه كثيرا، منها الوجود الأمريكي في جزيرة العرب التي حرم على غير المسلمين المكوث فيها أو استيطانها، فكيف يمكن السكوت عن اغتصابها؟!
وكان محاورا ممتازا، يملك الحجة القوية، والاستدلالات الرصينة، يساعده في ذلك سعة اطلاعه وسرعة استحضاره للدليل.
إجتهد أبو أنس الشامي بتدريس العلوم الشرعية في مسجده، وفتح ثلاث مراكز لتحفيظ القرآن الكريم والفقه وأصوله، ونشط في الدعوة، وتأثر بطرحه عدد كبير من الشباب.
وامتاز بشخصيته الهادئة، وخلقه الكريم ومرونته في محاورة المخالفين.
غادر أبو أنس الأردن إلى البوسنة والهرسك للتدريس والدعوة، وبقي هناك سنة ونصف، ثم عاد ليعمل مدرسا ومربيا وواعظًا متطوعا في"مركز الإمام البخاري"الذي ساهم بتأسيسه في العاصمة الأردنية.
وبعد أحداث 11/سبتمر؛ أراد الشيخ الخروج إلى ارض الجهاد في أفغانستان، لكنه لم يتمكن من ذلك، فعرف أن واجبه الدعوى أصبح كبيرا جدا، فأخذ يحث الناس على الذهاب إلى أفغانستان ويحرض على الجهاد في سبيل الله.
وفي عام 2003م؛ تم اعتقاله لإعلانه في صفوف طلابه وأتباعه أن النظام الحاكم في الأردن حوّل البلاد إلى ثكنة عسكرية أمريكية يأتمر بأمرها وينتهي بنهيها، وان الحرب القادمة ليست ضد النظام العراقي وإنما ضد الإسلام، وذلك أثناء الاستعدادات الأمريكية لشن الحرب على العراق، وكان يدعو الناس إلى وجوب معارضة التوجه الحكومي في مساندة الأمريكان والتوجه إلى العراق لدعم الجهاد هناك، بعد ذلك تم إطلاق سراحه ليعود مجددا إلى حث طلابه وأتباعه على الجهاد ضد المحتل الأمريكي في العراق.
وبعد أن شعر بأنه أدّى ما عليه من أمانة التبليغ؛ توجه إلى العراق، بعد أن أشاع خبر نيته السفر إلى السعودية للعمل، وذلك بعد عودته من أداء مناسك العمرة في شهر سبتمبر من عام 2003م، فحاول بكل وسيلة الدخول إلى العراق وما ترك بابا من الأبواب التي توصله إلى هناك إلا وطرقه، حتى يسر الله له ذلك.
وفي أرض الخلفاء التقى بالشيخ أبي مصعب الزرقاوي، ولسان حال أبي أنس الشامي حين وصل إلى ارض الجهاد يقول:
ذكرى الشهادة والمعارك هيجت
يبدي حنيني للجهاد علانية ... وزئير أسد الله في الساحات كم
من حسرة فيما مضى من حالية ... يا لهف نفسي بالجاد فكم بها
وقد اشتريت بها الجنان العالية ... فلأجل دين الله بعت رغائبي
ولم تسر خلف طيف الزيف خذلانا ... بدأ أبو أنس مشواره الجهادي منذ اليوم الأول، فكان جنديا مطيعا، وداعيا ومفتيا للمجاهدين.
وكان يقود بنفسه الكثير من المعارك ضد قوات الصليب، وكانت له مواقف وبطولات عديدة.
منها ما حكاه رفيقه أبو سيف الشامي حيث قال: (خرج أبو أنس مع عدد من المجاهدين لضرب إحدى السيطرات، فضربوها وساروا قليلا، وفوجئوا بسيطرة أخرى فضربوها، ثم سيطرة أخرى وأخرى، حتى ضربوا ست سيطرات، وما عادوا حتى نفذت ذخيرتهم) .
وكان الشيخ رحمه الله مثالا في الطاعة ولا يعصي أميره، وقد جاب أرجاء العراق للدعوة والنصح والتثبيت والتدريب.
وفي أحداث الفلوجة كان ينادي في المساجد: (يا أهل الفلوجة؛ حي على الجهاد، حي على الجهاد) ، وكان يحث الناس ويذكرهم ويرغبهم بالحور العين، فأخذ الناس يتسابقون إلى الجهاد، فكان المحرك للشباب.
لله درك لم تأنس بدنيانا
تستمطر الذل اصغاء واذعانا ... ولم تعقر جبين العز مبتذلا
أو فلتموتي في جهاد الكافر ... وكان يسمي معركة الفلوجة؛ بـ"معركة الأحزاب"، وكان يذكر الناس بسيرة النبي عليه صلاة والسلام، وعندما يذهب إلى أي مكان كان يكثر من الدعاء.
يروي القائد عمر حديد رحمه الله تعالى؛ أنهم في آخر أيام المعركة في منطقة"جبيل"نفذت ذخيرتهم، فشكوا الأمر إلى أبي أنس، فقال له: (اجمع لي الأخوة) ، فعندما اجتمعوا، اخذ أبو أنس يدعو رافعا يديه: (يا رب الأمر أمرك ونحن عبيدك، خرجنا لنصرة دينك وأخذنا بالأسباب فلم يبق إلا نصرك، ولم يبق إلا مددك، اللهم هذا ذلنا ظاهر بين يديك وحالنا لا يخفى عليك، فانزل علينا نصرك وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) ، واخذ يثبتنا ويذكرنا بوعد الله بالنصر، فما لبثوا طويلًا إلا وقد أعلنت أمريكا انسحابها من الفلوجة تجر أذيال الخيبة والخسران.
يا نفس عيشي في الحياة أبية
جاء الخلاص من الإله القادر ... كل الشدائد إن تزايد وقعها
لكنه أبدًا رديف معاسر ... فاليسر لا يأتي رديف مسرة
واسكبيه على اعز الرفاق ... وبعد انتهاء معركة الفلوجة؛ استمر الشيخ في جهاده ودعوته، فاخذ يعلم المجاهدين ويربيهم، وأصدر بصوته عددا من الدروس في الجهاد، وبث رسائله الجهادية العديدة من أرض المعركة على"الانترنت"، وتابعها الشباب الصادقون في مختلف الأقطار، وبقى مرابطا مجاهدا حتى ختم الله له حياته بالشهادة في سبيله - نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا - وذلك في معركة"سجن أبي غريب".
"أبو غريب"والشهادة:
قبل أن تبدأ المعركة؛ كان أبو أنس الشامي في سامراء يعلم الإخوة المجاهدين ويربيهم ويتلو عليهم القران ويحفظهم، وبعد أن انتهى من هذه المهمة، أرسل إلى الشيخ أبي مصعب الزرقاوي حفظه الله ليطلب منه المشاركة في تلك المعركة، فقال له الشيخ أبو مصعب: (يا أبا أنس لو بقيت معنا لأننا نحتاجك) ، فقال أبو انس: (والله لئن اقتل في سبيل الله من اجل تحرير أخواتي السجينات خير لي من أن أعيش) .
فكانت هذه الكلمات محفزة للمجاهدين على خوض المعركة.
وقبل يوم من المعركة؛ جمع أبو أنس إخوانه المجاهدين، وألقى عليهم درسا يرغبهم فيه الجنة، وكان مما قال: (نحن غدًا يا أخوة بأذن الله ستكون معركة الفتح - يقينا على الله تبارك وتعالى سيفتح الله علينا - ونسال الله تعالى أن يرى منا خيرا، وان يأخذ بأيدينا) .
وأخذ يدعو: (اللهم حرر بأيدينا إخواننا وأخواتنا، اللهم ألحقنا بالأحبة محمدا وحزبه، اللهم أحينا سعداء وامتنا شهداء، اللهم لا تخذلنا بذنوبنا، اللهم امنحنا أكتافهم، اللهم اجعل يوم غد فتحا مبينا) .
وعندما خرج للمعركة؛ ودّعه إخوانه المجاهدون، وكان آخر من ودعه القائد عمر حديد - أبو خطاب رحمه الله -
وقد روى لنل رحلة الوداع، فقال: (ودعني أبو أنس وداع مفارق، ورأيت في وجهه نور الشهادة، وعلمت انه لن يرجع، فقبلت رأسه وعينيه، وطلبت منه أن يشفع لي، فقال لي؛ الوداع يا أبا الخطاب، فقلت له؛ لا تقل الوداع وقل اللقاء، فقال؛ لقاؤنا في الجنة إن شاء الله) .
وخرج إلى المعركة؛ فكانت الشهادة بانتظاره، والحور العين في استقباله - نحسبه -
ونترك الكلام لأحد الأمراء الذين رافقوه في المعركة، ليروي لنا تفاصيل المعركة تلك:
(تحرك هذا الجيش بقيادة أبي أنس وكان يقول:"يا حبذا الموت على أبواب أبي غريب"، وكان الترتيب للمعركة بحسب ما أمكن وتيسر، وعندما ذكرنا ذلك لأبي أنس، قال:"علينا أن نقدم ما عندنا ونتوكل على الله".
وعندما سرنا وركبنا السيارة كان يدعو لإخوانه، ويسال الله أن يفتح عليهم فتحا مبينا، وان ينصرهم نصرا مؤزرا، ونسال الله أن يثبتنا ويكتب هذا النصر بأسمائنا، وان يختم لنا بالشهادة في سبيله ... وألح كثيرا على طلب الشهادة، وأكثر من البكاء.
وكان أبو أنس مُجهدًا، قد ظهر عليه اثر التعب، فهو لم يذق طعم النوم منذ أربعة أيام، ولكنه كانت له إشراقة غريبة، شهد له بذلك الإخوة المجاهدون.
وصلنا إلى موضع المبيت، قريبا من ساحة المعركة، وكان الجميع يبتسم ويضحك، كأنه مقبل على زواج.
وسمعنا صوت الطائرة تحلق في السماء، وما هي إلا لحظات إذ سمعنا صوت الصاروخ ينطلق من الطائرة وسقط على البيت الذي كنا فيه، ولكننا نجونا ولم نمت، ونفض أبو أنس عن وجهه التراب، فقلت:"يا أبا أنس لو أخرجنا الإخوة من البيت وسحبناهم إلى الفلوجة"، فقال:"نعم"، فلم يفر من البيت، بل بلغ من الشهامة أن ذهب إلى الإخوة ليخرجهم، مع أن البيت كان مظنة القصف مرة أخرى.
فإذا بصاروخ ثان يسقط على المنزل، وإذا بابي أنس [جريحًا] على الأرض، واسلم الروح إلى بارئها تاركا وراءه حطام الدنيا وزينتها.
أما الإخوة الباقون؛ فكان منهم من قتل، ومنهم من جرح، فانسحبوا إلى الفلوجة، واخذ الإخوة يصبر احدهم الآخر بهذه المصيبة، ويقول بعضهم لبعض:"لا تحزن إن الله معنا").
وذاع نبأ استشهاد الشيخ أبي أنس رحمه الله، وكان وقع المصيبة على المسلمين شديدا، إذ إنهم فقدوا عالما مجاهدا وصديقا ومعلما.
وها هو الشيخ أبو مصعب حفظه الله يروي لنا عظم هذا الخبر عليه، ويرثيه بكلمات رائقة وبأبيات جميلة:
فقال:(وصلني خبر مقتله، ولم اصدق باديء ذي بدء، وبقيت بين الرجاء والخوف، حتى جاء الخبر اليقين.
ذكريات تلقي بظلالها كلما تراءى أمامي شيء من اثر الجهاد والمجاهدين في أرض الخلفاء؛ أرض الرافدين.
شعرت وكأن جسمي انشق شقين، وما كانت تستطيع العين إلا أن تُنَفس بدمعات بين حين وأخرى، قد كان رفيق دربي في الأتراح والأفراح، وفي الحل والترحال، كالظل لا يفارقني، صديق صدوق نصوح شفوق.
رحمك الله يا أبا أنس، فنعم حامل رسالة كنت، لقد تركت فراغا لا يملاءه احد، وأورثت القلوب لوعة لا يسكن لهيبها إلا بلقياك هناك في الجنان، فوالله لئن سُئلنا لنصدُقن، ولئن استُشهدنا لنشهدن؛ انك كنت فارسا من فرسان الإسلام حقا، وعالما عاملا مجاهدا، سلام على روحك في الخالدين.
عيني جودي بد معك الرقراق
وأشاع الأحزان في أعماقي ... أي خطب قد أثار شجوني
فخذها من قلبي الخفاق ... يا أخي يا أخا المودة والحب
صاحب الفضل والسجايا الرقاق ... إن حِبي الشامي خلٌ وفيٌ
قد وجدت البكاء حلو المذاق ... لا تلمني على البكاء فاني
انما الصبر اعظم الترياق ... إن فيه راحة وعزاء
وكُسيت الأحزان كالأطواق). ... إيه يا شام قد فقدنا عزيزا
هذه هي قصة بطلنا وأسدنا أبي أنس الشامي رحمه الله تعالى، قصة كلها عبرة وعظة، ونور وضياء.
اللهم هيء لنا رجالا كابي أنس الشامي، يرفعون رايتك ويضحون من أجل دينك، انك سميع قريب.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
اللجنة الشرعية
تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين
عن مجلة ذروة سنام الإسلام
العدد الأول، محرم/ 1426 هـ