[الكاتب: بكر بن عبد العزيز الأثري]
"رسالة إلى شيخنا الوالد أبي محمد المقدسي حفظه الله"
وَنُوْرِثُهَا إِذَا مُتْنَا بَنِيْنَا ... الحمد لله الذي يصطفي ويختار، ويسير الأمور ويقدر الأقدار، والصلاة والسلام على النبي المختار، وعلى آله وصحبه الأطهار الأبرار، أما بعد:
فلقد تناقلت وسائل الإعلام بشتى أنواعها خبر مقتل ابن شيخنا العلامة أبي محمد المقدسي في أرض الرافدين، في اشتباك عنيف مع أعداء الدين ..
فجاء -مثلًا- في قناة الجزيرة الإخبارية يوم السبت 12/ 6/2010م:"مقتل نجل أبو محمد المقدسي منظر السلفية الجهادية في اشتباك مع الجيش الأمريكي في العراق".اهـ
وجاء في صحيفة السبيل يوم السبت 12/ 6/2010م:"علمت السبيل اليوم السبت، أن نجل منظر السلفية الجهادية أبو محمد المقدسي قتل في العراق على يد القوات الأمريكية. وفي التفاصيل فإن عمر البرقاوي لقي مصرعه إثر مواجهات."
.. وكان عمر خرج إلى العراق للمشاركة في قتال قوات الاحتلال الأمريكي، كما شارك في معركة الفلوجة الأولى.".اهـ"
وجاء في جريدة الرياض يوم الأحد 13/ 6/2010م، العدد 15392:"قتل عمر البرقاوي نجل أبرز منظر للتيار السلفي الجهادي العالمي عاصم البرقاوي الملقب (أبو محمد المقدسي) في العراق على يد القوات الأميركية".اهـ
فرحمك الله يا عمر، وأسكنك فسيح جناته، فنعم الشاب كنت؛ تمسكت بالدين منذ نعومة أظفارك، وصدعت بالتوحيد منذ صباك!
عن أبي هريرة: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله) وذكر منهم: (وشاب نشأ في عبادة الله) ، وفي رواية: (وشاب نشأ بعبادة الله) [متفق عليه] .
قال الإمام النووي رحمه الله:"ومعنى رواية الباء، نشأ متلبسًا للعبادة أو مصاحبًا لها أو ملتصقًا بها".اهـ [شرح صحيح مسلم 7/ 170] .
وأي عبادة أفضل من أوثق عرى الإيمان التي التصق بها عمر رحمه الله طيلة حياته؟! وأي عبادة أفضل من ذروة سنام الإسلام التي صاحبها عمر رحمه الله إلى أن جاد بحياته؟!
قال شيخنا أبو محمد المقدسي حفظه الله:"لا زلت أتخيل بريق عينك، وأنت تحملق في أعداء الله في إحدى مداهمتهم للبيت بعد منتصف الليل، حين أفقت من تلك الليلة الشاتية من فراشك فزعًا على أصواتهم القبيحة، وقد انتشروا في أنحاء البيت يبعثرون كل شيء، ويفتشون كل زاوية .. وسألك علج منهم بصوت أجش: (أين ابوك.) ؟"
فأجبته دون تردد، وانت لا زلت قاعدًا في فراشك تفرك عينك: (لا أعرف.) ! .. وكنت ليلتها تعرف جيدًا أين أبوك ..".اهـ [رائع يا أبا حفص ص3] ."
فما أعظمها من صرامة وشهامة، رغم صغر سنك حينها! خمس أو ست سنين!
وقال شيخنا أبو محمد المقدسي حفظه الله:"قولك لأمك الذي نقلته لي في بداية المحنة، ردًا على من انتقد نهجي: (أنا أحب أن أكون مثل أبي .. وعندما اكبر سأفعل مثل أبي .. وسأجاهد الطواغيت .. ) ".اهـ [رائع يا أبا حفص ص3] .
صدقت يا عمر فكنت كما وعدت، وجاهدت الأعداء وأعددت.
وقال شيخنا -أيضًا- في مقال نعي ابنه البار:"لله درك أيها الحبيب الغالي لا زلت أذكر وقفتك في وجه من داهموا بيتنا مقنعين مدججين بالسلاح لاعتقال أبيك وأنت ابن الرابعة عشرة، ويومها مدّ كبيرهم يده مختبرا لك أتصافحه! فأبيت وصحت في وجهه:"أنا مثل أبي لا أصافحكم"لقد أغظتهم بها أيْ بني، فكانوا يذكّرونني بها في ساحات التعذيب، بَقِيَت محفورة في ذاكرتهم لم ينسوها لك، كما أنك لم تنس لهم إساءاتهم لدينك ولأهلك وأبيك؛ فأبيت أن تمس يدك أيديهم ..".اهـ [قد أقررت عيني يا عمر] .
وَرِثْنَاهُنَّ عَنْ آبَاءِ صِدْقٍ
تَخِرُّ لَهُ الجَبَابِرُ سَاجِديْنَا ... إِذَا بَلَغَ الفِطَامَ لَنَا صَبِيٌّ
وذبابه أتخاف من ذبان؟ ... وما كان هذا ليكون بعد فضل الله تعالى، إلا بتربية الوالدين له، فنعم التربية هي، ونعم المربي هما، ونعم المتربي هو!
عن أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: (ما نَحل والدٌ ولدّه من نحْل أفضل من أدب حسَن) [أخرجه الترمذي وأحمد] .
وعن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق كل يوم بنصف صاع على المساكين) [رواه الترمذي] .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم) [أخرجه ابن ماجة] .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:"ومما ينبغي أن يعتمد حال الصبي، وما هو مستعد له من الأعمال ومهيأ له منها: فيعلم أنه مخلوق له؛ فلا يحمله على غيره -ما دام مأذونًا فيه شرعًا- فإنه إن حمله على غير ما هو مستعد له لم يفلح فيه، وفاته ما هو مهيأ له."
فإذا رآه حسن الفهم، صحيح الإدراك، جيد الحفظ واعيًا، فهذه من علامات قبوله وتهيئه للعلم، فلينقشه في لوح قلبه ما دام خاليًا، فإنه يتمكن فيه، ويستقر، ويزكو معه.
وإن رآه بخلاف ذلك من كل وجه، وهو مستعد للفروسية وأسبابها من الركوب والرمي واللعب بالرمح، وأنه لا نفاذ له في العلم، ولم يخلق له، مكنه من أسباب الفروسية والتمرن عليها، فإنه أنفع له وللمسلمين ..".اهـ [تحفة المودود] "
وإني لأحسب أن عز الدين نال الحسنيين؛ حسنى العلم والفهم، وحسنى الجهاد والاستشهاد .. كيف لا؛ والعرب تقول:"هذا الشبل من ذاك الأسد"؟!
جاء في الحوار مع شيخنا أبي محمد المقدسي حفظه الله، الذي أجرته مجلة الوسط، العدد 235، 20 ربيع الأول 1417هـ، الموافق 4 آب 1996م، قال شيخنا حفظه الله حين تكلم عن مفاسد ومنكرات المدارس النظامية:"ولا أريد هذا لأبنائي، ابني محمد عمره عشر سنوات ويحفظ كتاب الله عز وجل كاملًا، وأغلب قراءاته"البداية والنهاية"لابن كثير، و"الكامل"لابن الأثير. وابني عمر أصغر منه بسنتين، يحفظ 26 جزءًا، ولم أدخلهما مدرسة، ولن أفعل. القضية ليست قضية تحريم، لا أستطيع أن أقول إن جميع المدارس محرمة. لي كتاب ألفته في الكويت قديمًا سميته:"إعداد القادة الفوارس، بهجر فساد المدارس"، وكان موجهًا إلى الدعاة الذين يكفرون بالطاغوت ويعجزون عن إقامة شرع الله في بيوتهم وأولادهم. دعوتنا ليست دعوة إلى الأمية. أبنائي يقرؤون ويكتبون وأعمارهم في الرابعة بفضل الله، ما أقوم به دعوة إلى إيجاد البديل في التعليم".اهـ
وقال شيخنا أبو محمد المقدسي حفظه الله ملوحًا إلى بعض جوانب تربيته لعمر البطل رحمه الله:"ولا زلت يا أبا حفص .. أذكر نظراتك - لم انسها- وأنت تحدق بهم في آخر ليلة فارقتكم فيها، ليلة اعتقالي قبل أربع سنين، [1] وقد وضعوا القيد في يدي وأحاطوا بي من كل جانب يدفعوني ويتناولوني بهراواتهم وأعقاب بنادقهم، فألحظك في ظلام الليل على الشرفة تنظر إلي وأنا أنادي: (لا تخشوهم .. لا تخافوا منهم .. هؤلاء حشرات .. إنهم ذباب) وأتذكر جيدًا كيف رسخ ذلك في ذهنك وانطبع في ذاكرتك فحين رأيتني بعد ستة شهور، يوم نقلت من زنازنهم إلى السجن وذكرتك بتلك الليلة، قلت على فور: (نعم اتذكرها جيدًا يا أبي .. كنت تقول: لا تخافوا منهم إنهم حشرات إنهم ذباب) ."
ولا غرابة أن ترسخ في ذهنك الصغير هذه الكلمات بالتحديد، من بين كثير من اللغط الذي ملأ تلك الليلة الليلاء ..
وذكرتك يومها ببيت لابن القيم سطرته لك في بعض رسائلي في الزنزانة:
لا تخش كثرتهم فهم همج الورى
يلقمك منه حجرة ... أتذكره يا عمير .. ؟ لقد كان أعداء الله يشتاطون غيظًا حين يقرؤونه .. وكنت أحب تذكيرك به دائمًا رغمًا عن انوفهم ..".اهـ [رائع يا أبا حفص ص3] ."
حفظ عمر رحمه الله ذلك، فواجه أمريكا بحدها وحديدها، وأذنابها وعبيدها .. مستشعرًا أنهم ذباب، كما علمه أبوه الشيخ المهاب.
وقال شيخنا أبو محمد المقدسي حفظه الله:"تذكرتك في زيارتك الأخيرة .. يومها كنت انظر إلى عينيك بشغف وهما تبرقان فرحًا وسرورًا .. على شبك الزيارة .. وأنت تقول: بالأمس يا أبت خرجت مع شيخي إلى الصيد .. واصطدت حمامة لأول مرة بالبندقية .."
نعم يا أبي بالبندقية .. اصطدت حمامة لأول مرة بالبندقية .. رائع يا عمر، ممتاز، الآن جاء دور الصقور .. قريبًا إن شاء الله، سأعلمك كيف تصطاد الصقور ..". اهـ [رائع يا أبا حفص ص5] ."
فتعلم عمر رحمه الله صيد الصقور، وعذرا لشيخي فوالله إنهم لا يستحقون صفة الصقور بل هم الرخم والغربان والنسور المنتنة التي اصطادها عمر في الساحات والثغور، كما قد وعده أبوه الغيور ..
ولما كان شيخنا أبو محمد حفظه الله في سجن المخابرات، [2] وقف على طاقة زنزانته عصفور، فكلفه شيخنا بإيصال بعض الأبيات لابنه عمر، فوصلت وما ذلك بالسحر! وهي بعنوان:"اذهب يا نُغير إلى ابني عمير"، وكان آخرها:
فاذهب لإبني عمرَ
يصطادك بفخه ... يحتالك بمخه
بحبه الطيور ... فهو كالمسحور
والبط والحمام ... كذلك الأغنام
اترك ذاك النُغَيْر ... اسمعني يا عُمَيْر
وذلك الحماما ... دع تلكم الأغناما
عليك والصقور ... عظائم الأمور
واسعى إلى العلياء ... تطلّع للسماء
ومثلك إخوتك ... فإنني أرصدك
والحق والقرآن ... لنصرة الرحمن
في قابل الأيام ... ورفعة الإسلام
إلى إبني عُمَيْر ... اذهب يا نُغَيْر
أبلغ له كلامي ... أوصل له سلامي
فإنها رسالة ... بلغه ذي المقالة
يجاري بالخطى من أدبوه ... ولقد وصلت رسالتك شيخنا، فوقعت في محلها في قلب ذلك الابن البار، فتطلع للسماء وما أعده الله للأبرار، وترك سفاسف الأمور الصغار، فحفظ القرآن وذب عنه، ونصر الدين حتى مات دونه.
أما تدري أبانا كل فرع
على ما كان عوده أبوه ... وينشأ ناشئ الفتيان منا
لَمْ تَكُنْ قَدْ تَرَقَّتْ الأُمَّهَاتُ ... ولا ننسى أبدًا دور أمنا الصابرة أم محمد حفظها الله في إعداد وإرشاد ذلك الابن المجاهد، ومساهمتها في ارتقاءه .. قال الزهاوي:
لَيْسَ يَرْقَى الأَبْنَاءُ فِي أُمَّةٍ مَا
أَعْدَدْتَ شَعْبًا طَيِّبَ الأَعْرَاقِ ... قال شيخنا أبو محمد المقدسي حفظه الله قبل قرابة 15 سنة:"تقرع ذاكرتي، في هذه اللحظات، كلمات صغيري (عمر) يناجي أمه في رمضان سبق: (إن أبي شيخ جيد، وأنا أحبه، وأفخر به .. ولكننا نريده معنا هنا، لا في السجن!!) ."
وتبادر أمه، بتذكيره ببعض معالم الطريق، فكأني أسمع صدى كلماتها يتردد في هدأة المساء:
ما هذا يا عمر؟ ما الذي تهذر به .. ؟
ألم أقل لك مرارًا أن أباك إنما سجن لأجل دين الله .. ولأجل دعوته وتوحيده ..
ألم أخبرك بقصة إبراهيم عليه السلام، وكيف ألقي لأجل دعوته في النار؟
وقصة موسى .. وعيسى وأصحاب الكهف .. وأصحاب الأخدود .. ؟
أه يا عُمير .. لا بد وأنك تذكرت أعيادًا مضت .. كنت فيها معكم وبينكم ..".اهـ [رائع يا أبا حفص ص2] ."
وصدق القائل:
الأُمُّ مَدْرَسَةٌ إِذَا أَعْدَدْتَهَا
بِالرِّيِّ أَوْرَقَ أَيَّمَا إِيْرَاقِ ... الأُمُّ رَوْضٌ إِنْ تَعَهَّدَهُ الحَيَا
شَغَلَتْ مَآثِرُهُمْ مَدَى الآفَاقِ ... الأُمُّ أُسْتَاذُ الأَسَاتِذَةِ الأُلَى
لم يلتفت يوم الفراق وراءا ... فلله در تلكم الجهود التي لم تذهب سدى بفضل الله، بل باركها الله تعالى في ذلكم الابن الصابر المهاجر ..
فأرسله أبوه إلى ساحات الجهاد، وأرض البذل والعطاء والاجتهاد، يقول أبوه الشيخ:"لا زلت أذكر خروجه مع ثلة من الشبيبة كانوا ينتظرونه بعيدا عن مدخل الحي كي لا يلحظهم أعداء الله فقد كان البيت مراقبا كما لا زال، وكنت تحت الإقامة الجبرية؛ فخرج من باب البيت عجلا وغاب عن ناظريّ من زقاق يؤدي إلى الشارع الذي ينتظره فيه أصحابه ودموع أخته وأمه تنهمر والله ما التفت وراءه؛ وكلما تذكرت ذلك منه؛ تذكرت قول من قال:"
ومهاجر في الله ودع أهله
ورمى الهوى لما أراد سماءا" [3] ... ألقى ثقال الأرض عن أكتافه"
كالعود يسقى الماء في غرسه ... سعى عمر إلى أفغانستان بعد سقوطها في براثن الأمريكان، ليلتحق بعمه صلاح الدين الذي كان مع البطل الشهيد كما نحسبه أبي مصعب الزرقاوي؛ فوجد الناس ينحازون من أفغانستان فلم يتمكن من دخولها فانحاز إلى كردستان حيث مجموعة أخرى هناك من أتباع دعوة التوحيد وأنصارها أنشأوا معسكراتهم بقيادة أحد أحباب والده وهو البطل الشهيد كما نحسبه رائد خريسات، فمكث في معسكراتهم ردحة من الدهر تدرب فيها على كافة الأسلحة وأحب تلك الساحات، وغداة احتلال الصليبيين لبغداد قصفت معسكرات الإخوة في كردستان بصواريخ بعيدة المدى وقتل في هذا القصف طائفة من الإخوة كان من بينهم ثلاثة ممن خرجوا مع عمر إلى تلك الساحة فنشرت الصحف يومها أن الأربعة قتلوا ونشروا اسم عمر في ضمنهم، وكان أبوه الشيخ آنذاك في السجن فوصل الخبر لوالديه فحزنا واسترجعا وصبرا، وكتب أبوه الشيخ رسالة وجهها من السجن لأهله يصبرهم فيها ويذكرهم بعظيم الأجر إن هم احتسبوا وصبروا [4] .. ومع مرور الأيام وذهاب الأحزان بدأ الوالدن يتناسيان أمر ابنهما شيئا فشيئا؛ وأما عمر فما لبث أن دخل مع من تبقى من إخوانه إلى ساحة الجهاد بعد سقوط العراق تحت الاحتلال الأمريكي فالتقى هناك برفيق درب أبيه القائد البطل أبي مصعب الزرقاوي .. وبدأت بعض الأخبار غير المؤكدة تتسرب إلى الأردن فتارة يصل والديه أنه لا زال حيا، وتارة يصلهم أنه في السجن وأخرى أنه قتل، ولا يستطيعان من التثبت لمكان والده في السجن، فكانا كلما ذكراه يتحيران بماذا يدعوان له: فتارة يترحمان عليه، وتارة يدعوان الله أن يحفظه وينصر به الدين، وتارة يقولان: اللهم ارحمه حيا وميتا، اللهم إن كان حيا فاحفظه ووفقه وانصر به الدين وأحسن خاتمته، وإن كان قد قتل فارحمه وتقبله شهيدا ..
شارك عمر عز الدين في القتال منذ انطلاقه، وأعز الدين بقوله وفعاله .. وكان محبوبًا عند كافة المجاهدين، وخاصة لدى من يعرف أنه ابن شيخنا ..
قال عمر عز الدين رحمه الله في إحدى رسائله لأبيه الشيخ:"أني استحي أن يعرفني الناس، ووالله أن الناس يكرمونني من أجلك".اهـ
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه. قال: فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء قال: ثم يوضع له القبول في الأرض) [متفق عليه] . [5]
وإننا لنحسب أن عمر قد وضع له القبول بين المجاهدين، بل وليس فحسب بل ولدى قاداتهم الميامين.
خرج عمر عز الدين مرة في سرية أرسله فيها أمير الاستشهاديين أبو مصعب الزرقاوي رحمه الله مع إخوة له.
وكان عمر يحمل سلاح"الآر بي جي"ولما جاءت سيارة الأمريكان، كان الأخوة يقولون له: ارم، ارم .. وهو يتريث لكي لا يخطئ الرماية .. حتى رماهم في زاوية كان بعض الإخوة فيها خلفه فأثر في بعضهم لهب القاذف الخلفي، فاشتكوا للشيخ أبي مصعب الزرقاوي رحمه الله، فقال:"دعوه .. اتركوه يرم كيف يشاء!".
كان الشيخ أبو مصعب رحمه الله يحبه كثيرًا ويوصي به .. وكان يوليه أمر السلاح نقله وتوزيعه وتدبيره ورعايته ..
عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله عز وجل يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به ومنبله) [أخرجه أبو داود والنسائي] .
قال العظيم آبادي رحمه الله:"قوله: (منبله) : بتشديد الموحدة ويخفف أي مناول النبل، ففي النهاية: نبلت الرجل بالتشديد إذا ناولته النبل ليرمي به، وكذلك أنبلته".اهـ [عون المعبود 7/ 82] .
وكان عمر يقوم بمهامه خير قيام؛ فكان كتومًا للأسرار، لا يفشيها حتى لأعز إخوانه، بل وإن كان ذلك على حساب مصلحته .. فقد كان معه شاب يسكن معه في مكان واحد، وفي إحدى الغزوات اختير عمر للخروج فيها ولم يختر صاحبه، فلم يخبره عمر بذلك، [6] ولكنه استعار من صاحبه بنطالا وقميصا يلبسه في المعركة.
وحدث أن قد تلفا معه في الغزوة، فدبّر عمر غيرهما، ولما عاد بعد المعركة، طلب صاحبه منه الملابس، فاعتذر عمر وقال:"لا اقدر أن أعيدها إليك فسامحني".
فقال له صاحبه:"والله لا أسامحك حتى تخبرني أين ذهبت بهما؟"فحزن عمر أشد الحزن لأنه كره أن يطلع الأخ على أمر المعركة التي لم يخرج فيها الأخ، ولكنه لم ييأس من طلب المسامحة فإنها حقوق العباد، فأصر عليه أن يسامحه، فما كان من الأخ إلا أن سأل أخوة آخرين فأخبروه أن ملابسه اتسخت بطريقة لا يمكن إعادتها لأن عمر كان ينظف الأسلحة من الشحم والأوساخ قبل المعركة فاتسخت بمواد وزيوت لا يمكن غسلها، فعذره الأخ وأكبر فيه كتمانه الأمر عليه.
وفي أثناء عمله الدءوب في درب الجهاد، اعتقل عمر عز الدين على نقطة تفتيش أمريكية وهو ينقل مجموعة من السلاح من مكان إلى مكان فادعى أنه تاجر أسلحة وأنه من أهل العراق وكان يتقن لهجتهم.
وكما أخرج البخاري ومسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (سمى النبي صلى الله عليه وسلم الحرب خدعة) . وفي رواية عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحرب خدعة) . وقد بوب الإمام البخاري في صحيحه:"باب الحرب خدعة"، وبوب أيضًا:"باب الكذب في الحرب".. قال الإمام النووي رحمه الله:"واتفقوا على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن".اهـ وقال ابن المنير:"معنى الحرب خدعة أي الحرب الجيدة لصاحبها الكاملة في مقصودها إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة وحصول الظفر مع المخادعة بغير خطر".اهـ وقال الحافظ ابن حجر:"وفيه .. الندب إلى خداع الكفار".اهـ [فتح الباري 6/ 191] .
وعن أم كلثوم رضي الله عنها قالت:"ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث، تعني: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها" [رواه مسلم] .
فدخل عمر عز الدين مدرسة يوسف عليه السلام كما دخلها أبوه العالم، وحبس في سجن الأحداث على أن جرمه جرم جنائي؛ تاجر أسلحة أو"سلبجي"كما يقول العراقيون، وكان يتقن لهجتهم فادعى أنه عراقي فلبث في السجن بضع سنين .. [7]
وفي السجن جد عمر واجتهد، في طلب العلم وتحصيل المنهج .. قال عمر رحمه الله في رسالة إلى والده سطرت بالدماء:"وقد ازددت إصرارًا أكثر عندما دخلت السجن، وأول شيء فعلته عندما دخلت السجن أني مكّنت القرآن، وبعدها طلبت العلم وبدأت أتفهم الأمور شيئًا فشيئًا. وكما قيل: (رب ضارّة نافعة) .. والآن السجون في بلدنا العراق أصبحت أكبر جامعة لطلب العلم لأن الأساتذة يلتقون فيها من كافة أنحاء العالم .. وأشكرك كثيرا يا أبي على هذا الأمر الذي اخترته لي وأنا لست نادما على شيء".اهـ [8]
وفي إثر ذلك، وحين شارفت مدة سجن عمر على الانتهاء، استدعي شيخنا العلامة أبو محمد المقدسي حفظه الله من قبل المخابرات الأردنية .. وفي موقف مهيب فُتح الحاسوب وأبرزت فيه صورة! صورة من هذه؟! إنها صورة عمر ابن الشيخ بلباس السجن البرتقالي المعروف عند الأمريكان! وقد مرت السنوات في إثر السنوات على الفراق بين الأب وابنه! فسُئل شيخنا:"أهذا هو ابنك عمر؟ أهو هو؟"..
فأجاب شيخنا حفظه الله بكل حزم وعزم -لكي لا يؤدي لإضرار ابنه المتقمص للشخصية العراقية-، [9] قال الأب:"لا، ليس هذا ابني عمر"..
ما أجله من موقف تتجسد فيه أعلى صور التضحية والبذل والصبر، كما أنه ينم عن فقه عظيم لمقاصد الشريعة .. قال الإمام النووي رحمه الله:"اعلم أن الكذب وإن كان أصله محرمًا، فيجوز في بعض الأحوال .. ومختصر ذلك: أن الكلام وسيلة إلى المقاصد، فكل مقصود محمود يمكن تحصيله بغير الكذب يحرم الكذب فيه، وإن لم يكن تحصيله إلا بالكذب جاز الكذب. ثم إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحًا كان الكذب مباحًا، وإن كان واجبًا كان الكذب واجبًا. فإذا اختفى مسلم من ظالم يريد قتله، أو أخذ ماله وسُئل إنسان عنه، وجب الكذب بإخفائه، وكذا لو كان عنده وديعة وأراد ظالم أخذها، وجب الكذب بإخفائها ..".اهـ [رياض الصالحين ص253] .
تخرج عمر عز الدين من مدرسة يوسف عليه السلام بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف، فقد كان من المجدين فيها، المجتهدين في نصرة الدين وإعزازه حيثما حل ونزل.
فعاد عمر إلى ساحة الجهاد التي لم يخرج منها، وما لان ابن الشيخ وما استكان، بل أورق عوده، ونضجت جهوده ..
وإن من أدبته في زمن الصبا
بعد الذي أبصرت من يبسه ... حتى تراه مورقا ناضرا
وقمتَ فيه بأمرِ اللهِ يا عُمرا ... وقبل مقتل الشيخين أبي عمر البغدادي وأبي حمزة المهاجر تقبلهما الله، أرسل إليه وزير الحرب الشيخ أبو حمزة ليقدم عليهم، فذهب عمر من الموصل إليه، وقبل وصوله حدث ما حدث للشيخين حتى ظن الإخوة أنه قتل معهما ثم ما لبثوا أن فوجئوا به يعود إلى الموصل الحدباء ..
لا زال عمر يصول ويجول، ويركب الصعب والذلول، في نصرة الدين الحنيف، بالقرآن الذي بين جنبيه وبما على جنبيه من لأمة وسيف .. حتى كتب الله له الشهادة، وهي هي العز والسيادة، مقبلًا غير مدبر، نحسبه والله حسيبه، ولا نزكي على الله أحدًا.
حُمِّلتَ أمرًا عظيمًا فاصطبرت له
تبكي عليك نُجومَ الليل والقمرا [10] ... فالشمسُ طالعةٌ ليستْ بكاسفةٍ
هو عندهم إن لم يرقه المغرمُ! ... يوم مقتله كان برفقة شخصين من قادة المجاهدين في الموصل فتعقبتهم آلية أمريكية"ستاركس"المتخصصة بتعقب الاتصالات فاشتبك الإخوه معهم فقتل الجميع تقبلهم الله ..
وبعث أحد أحباب الشيخ من العراق برسالة مقتضبة للشيخ يقول فيها:"أنا والله بعيد جدا .. لكني عزمت على نفسي أن أبشرك بأن عمر أسد مغوار قتل مقبلا غير مدبر هذا على عجل، والتفاصيل سأخبركم بها إن شاء الله، أدعو لنا بالشهادة، فوالله إن لم يختم لله لنا بما ختم لعمر وصحبه فإنا إذًا لمن الخاسرين".اهـ
لا يحسبون دم المجاهدِ مغرمًا
لو كان حيًا لأحيا الدينَ والسُّننا ... وصل الخبر فلامس آذان شيخنا أبي محمد المقدسي حفظه الله .. إنه عمر عز الدين، نعم عز الدين ..
لهفي على ميتٍ ماتَ السرورُ به
منهُ لما كانتِ الدنيا له ثمنا ... لو كنتُ أعطى به الدنيا معاوضةً
لأبي محمد بيتُهُ ومهادُهُ ... لكن، لما كانت عوضه الآخرة، قال شيخنا أبو محمد بعد سماع الخبر مباشرة، هذه الحروف بنصها:(اللهم يا وليي إنه لم يفرق بيني وبين أحب أبنائي إليّ في الدنيا؛ إلا نصر دينك .. اللهم فببركة ذلك اجمع بيننا في فردوسك الأعلى ..
إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي الرب).اهـ