فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 1099

أخي بعثت تسألني عمن رحلوا وطال الرحيل , وغدا لذكرهم في القلب حنين وألم كبير, ووصفهم منحوت في ذاكرتنا, وأطيافهم تحوم حول سمائنا وأرضنا , وخطى أقدامهم منثورة في شوارع الجزائر والبليدة والبويرة وقسنطينة والأوراس وبلعباس , وستبقى أسمائهم منقوشة على رمال الصحاري العظيمة وجبال الشريعة والأوراس وجرجرة الشامخة.

أخي لقد سالت الدماء , وفاضت الأرواح , وعلى أرض الجزائر كان الميعاد.

فما عساي أن أكتب لأسود هذا البياض بشأن رجال مدادهم دماء, وعروقهم عطاء , بل وحياتهم وقف لرب الأرض والسماء.

أكتب عنك يا شيخنا - مصطفى بويعلي - يامن نحت على قلوبنا جزائر الجهاد والأستشهاد, ورسمت بدمائك لنا الطريق.

خلفت الدنيا وراءك ظهيرا ليس لأهلك ولا لولدك معك نصيب , بعت نفسك وجدت بروحك وأنت من أنت في وقت ظن كل رخيص النفس مزجي البضاعة بنفسه وكأنها أنفس ملائكة.

كان شيخنا الكريم من الشباب المسلم الذي تربى في أكناف جمعية العلماء المسلمين على يد الشيخ العلامة عبد الحميد ابن باديس رحمه الله, الذي غرس في نفوس الشباب معاني الجهاد والأستشهاد. مما حدى بشيخنا ذو النفس التواقة الى لقاء الله , أن يرفض الذل والهوان ويكون من أوائل من حملوا السلاح في وجه الأستعمار الفرنسي الصليبي فأذاقهم مر العلقم وكان واخوانه من أبناء الجمعية في مقدمة الصفوف أثناء الثورة المباركة.

ولكن وبمرور السنوات رحل الصفوة شهداء وخلف من بعدهم الخونة الجبناء , وعشية الأستقلال المزعوم رأى شيخنا أن ثمارجهاده وأخوانه من الشرفاء قد استولى عليها حفنة من العملاء الشيوعين واللأكيين ربائب الأستعمار , فراعه ذلك وسلك درب النصيحة لكل من حوله من ضباط جيش التحرير بصفته ضابطا ولكنه وجد آذانا صماء وقلوب أقسى من الحجارة الا حفنة قليلة من الشرفاء , فاستقال من الجيش , وانضم الى من تبقى من شيوخ الجمعية وأسسوا"مؤسسة القيم"بقيادة الشيخ البشير الأبراهيمي وعضوية كل من الشيخ عبد اللطيف سلطاني والشيخ عمر عرباوي و الشيخ مصباح حويدق رحمهم الله , وكان دور المؤسسة اعادة ربط الشباب بقيم دينهم الأصيلة والذود عن مقدسات الأمة ومحاولة استرجاع أمانة الشهداء , ولكن ما لبث النظام الطاغي أن حل الجمعية وشرد أعضاءها سنة 1965 بعد اصدارها بيان شديد اللهجة ضد النظام الناصري اللعين غدات اعدام الشهيد الرمز سيد قطب رحمه الله , فوضع الشيخ الأبراهيمي قيد الأقامة الجبرية الى أن وافته المنية , كما أوقف الشيخ عبد اللطيف سلطاني عن الأمامة وتعرض للسجن والتضيق وكان آخرها سنة1982 وتوفي بعداها بعام داخل السجن , كما سجن الشيخ عمر عرباوي والذي يعد الأب الروحي لكل من الشيخ بويعلى والشيخ على بن حاج فك الله أسره, والشيخ عرباوي هو من مؤسسي الحركة الأسلامية الجزائرية والتي خرجت من رحمها حركة الشيخ بويعلي"الحركة الأسلامية المسلحة", وفي هذا الضرف العصيب تحمل شيخنا مسؤولية الدعوة وكان خطيبا وناشطا بمسجد العاشور بالعاصمة لكنه كان يجوب الجزائر شرقا وغربا يستنهض الهمم وكانت خطبه النارية تلهب أضلع الجلادين فاعتقلوه وهددوه وعذبوه فما وهن وما استكان ,فكانت لمواقفه البطولية والجريئة عظيم الأثر في نفوس الشباب.

وفي غمرة هذه الأحداث بدأ الشيخ يزداد يقينا أن طريق الدعوة والأرشاد وحده لن يزيد هذا النظام الا تجبرا وفتكا بشباب الصحوة , فلابد لرادع لهؤلاء الطغاة.

وفي هذه الفترة بدأ الشيخ في الأعداد الى جانبه ثلة من الشباب الصادق فكانوا النواة الأولى وطليعة العمل الجهادي في الجزائر , وأسس الشيخ بويعلي"الحركة الأسلامية المسلحة"الى جانب الشيخ منصوري ملياني والشيخ عبد القادر شبوطي والأخ عز الدين باعة والشيخ بالعيدي الدراجي وغيرهم نسأل الله أن يتقبلهم , وقد كان للغزو السوفياتي لأفغانستان سنة1979 ووقوف النظام الجزائري الى جانب حلفاءه الملاحدة دافعا لتعلن الحركة عن نفسها بعد فترة الأعداد والأستعداد ونزلت لأول مرة بيانات الحركة تعلن الحرب على المصالح السوفياتية وقد استهدفت بعض الرعايا والمصالح السوفياتية ثأرا لأخوانهم في أفغانستان , كما كان للعملية النوعية لجماعة الجهاد في مصر باستهدافها للطاغية السادات عضيم الأثر على مجاهدي الحركة , كما كان للأحداث الأليمة على أرض سوريا وما لحق اخواننا هناك في حلب وحماة وخاصة أن الشيخ كان يكن الحب والأحترام الشديد للشيخ مران حديد رحمه الله وقد آلمه كثيرا استشهاد هذا الأسد الجسور وكان يردد (أنه قلما تتوفر للأمة كفاءات مؤمنة مخلصة مجاهدة أمثال الشيخ مروان) .

وكان الشيخ قد تعرض لمحاولة اغتيال من طرف أعوان النظام في 28/ 04/1982 ولكن الله قد قدر له النجاة , فودع الشيخ أهله وأبلغهم أنه حان الوقت لدخوله السرية ولن يخرج منها حيا وكان له ذلك, وكانت أول عملية قام بها الشيخ وأشباله استهدفت رمز قوة وبطش النظام"مدرسة الصومعة للشرطة"وهي المسلخ الذي اهينت فيه كرامة المؤمنين وهو بمثابة السجن الحربي بمصر أو سجن تدمر في سوريا.

فكان لاختيار الهدف أبلغ الأثر النظام وزبانيته كما رفع معنويات المجاهدين ومكنهم من غنم الكثير من الأسلحة الحديثة والمستوردة حديثا من موسكو وأروبا الشرقية.

واستمرت العمليات الجهادية خاصتا مع التحاق مجموعات جهادية من الغرب بقيادة الشيخ عثمان ومن الشرق بقيادة الشيخ بلعيدي الدراجي بحركة الشيخ مصطفى , فأصبحت العمليات تنفذ على امتداد القطر الجزائري في الجبال الشامخة وفي وسط المدن.

وكان من مخطط الحركة اغتيال الوزير الأول"الجنرال عبد الغني"واختطاف الرجل الأول في الحزب الوثني"شريف مساعدية"ولكن التنفيذ لم يتم بسبب العمل المباغت لأجهزة الأمن ضد أفراد مجموعة الرصد والأعداد - قيل أن أحدهم وشى بهم - فاعتقل 14 من أفراد السرية وكشفت العملية.

وبعد سنوات من العمل الجهادي رأى الشيخ أن يعقد مِؤتمر لكافة أبناء التيار الأسلامي الجهادي منه والدعوي , فدعى اليه بعض الرموز الدعوية الى جانب القيادات الجهادية وذلك لتقيم المرحلة السابقة ووضع استراتيجية مستقبلية بعد 5 سنوات من القتال اشتد فيها عود الحركة , وقد اختار مرتفات جبال الزبربر بمدينة الأربعاء ولاية البليدة مكانا لهذا اللقاء وذلك لمنعة هذا المكان طبيعيا وكان اللقاء مقررا في جانفي 1987 , ولكن وكما أخبرنا بعض الأخوة ممن عايشوا الفترة وشى بهم واحد ممن باعوا أخرتهم بدنيا غيرهم - هذا الشخص يتزعم اليوم ما يسمى بتيار الأسلام السياسي المعتدل وهو مقرب جدا من أجهزة الأستخبارات بل هو أداتهم الأساسية في خلط كل الأوراق في الجزائر - وكان قد أعطى كافة المعلومات عن اللقاء , فحوصرت المنطقة أيما حصار فطوقت مدينة الأربعاء وجبالها ووديانها بقوات كافية لغزو دولة وشددت التعليمات بغلق كل المنافذ , وأحس شيخنا بما يدور حوله فجمع هيئة أركانه وأبلغ الجميع بالمستجدات وقال لهم مقولة الحسين يوم حاصره فجار العراق ففاضت العيون بالدمع وبايع الجميع الشيخ على القتال الى الشهادة.

وبدأت المعركة الفاصلة وكان الجبناء كعادتهم لا يقاتلون الا من وراء بروج محصنة فبدأت الحملة الجوية فكانت السماء تحجب من كثافة الطيران ودخان صواريخ النابالم , كما كان للمدفعية دورها.

وقد روى سكان المداشر الذين عايشوا المعركة أنهم لم يشهدوا شراستا في القتال كالتى رأِوها في تلك الأيام فلم يحدث مثلها حتى أيام الأستعمار.

وأثخن الشيخ في أعداء الله أيما أثخان وبعد أسبوع من القتال همت القيادة العسكرية الميدانية بالأنسحاب لفداحة الأصابات فيها وانهيار معنويات الجنود , لكن التعليمات الفوقية منعتهم من ذلك وأمرتهم بتكثيف الغارات الجوية والقنبلة المدفعية وخاصتا على أسخن وأشرس منطقة في القتال وذلك لأدراكهم أن تلك الجبهة بقيادة الشيخ , وكان شيخنا في خضم هذه المعارك جبلا شامخا لايهتز ولا يزيد على تلاوة قوله تعالى {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون أن كنتم تعلمون} .

وكان أن نزلت مجموعة من القنابل الشديدة على موقع رباط شيخنا فنفجر المكان وما هي الا لحظات حتى تحولت المنطقة الى أرض محروقة لآ حياة عليها, ومضى شيخا الى ربه شهيدا وحيد غريبا.

لقد أبى جسده الطاهر أن يكون بين يدي الأنجاس الملاعين فندثرت أجزاءه حتى لا يكون لها قبر يواريها , ولم تلبث المعركة بعده طويلا وأسر أسود الوغى بعد نفاذ ذخيرتهم وبعد أن مضى منهم من مضى على درب الشهادة , وكان ممن أسرو الشيخ منصوري ملياني والشيخ عبد القادر شبوطي والشيخ بلعيدي الدراجي وغيرهم , وهم الثلة التى كانت لها المشعل وقادوا العمل الجهادي بعد مأساة 1992 وقد لحقو جميعا بركب الشهادة فهنيأ لهم ولشيخنا مصطفى الشهادة ...

فنم شيخنا؛ فمثلك لا بواكي له , لأن الناس لم يتعودوا أن يقصدوا الجبال بحثا عن الخنادق المحاطة بالحفر من أثار القنابل والتى يدلك على وجودها من بعد هدير الطائرات , ودوي المدافع , فلذلك لم يقصدوا عرينك.

ولأن الناس تعودوا قصد الحفر في قيعان الأودية لا قصد الثغور في قمم الرواسي الشامخات.

ومثلك لا بواكي له .. لأنك تركت بوفاتك حملا كان يثقل كاهلك .. وثغرا كان حفظه يشغلك .. فقد كنت وفي أحلك الظروف لايشغلك الا وسعة الثغر , وضعف المرابط , وقلة النصير , متناسيا ألامك , لأنك تشعر بأنك لست سوى عضو في جسد أمتك المثخن بالجراح, فتتناسى آلآمك لألآمها , وتنكر ذاتك لأجلها.

نعم شيخنا مصطفى ... لقد بكاك الغرباء أمثالك ... لأنهم فقدواك عند اشتداد الخطب واحمرار الحدق , وسنبكيك مع علمنا بأنك وان غاب عنا جسدك فلن ينقطع ان شاء الله جهادك معنا بل ستكون لنا شريكا في جهادنا بما علمتنا اياه.

نم شيخنا الكريم ... فباذن الله الواحد الأحد, لن تقف القافلة عن المسير, ولن تسقط الراية ولن تستبدل.

وانا ان شاء الله بالعهد لموفون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت