فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 1099

أمير سرية الإقتحام في غزوة"بدر موريتانيا"

على شرجع يُعلى بخضر المطارف ... بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على نبيه الكريم

لاشك أن الشهادة في سبيل الله عز وجل اصطفاء واختيار لا يناله إلا من أخلص النية لله تعالى، ولذلك قال: {وَيَتخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ} .

غير أن لهؤلاء الشهداء سِمات يُعرفون بها وهم يسيرون بين الناس ... فلهم حياء جم يكسو المُحيا، وصدق وتفانٍ يملأ الجوانح، وشجاعة قل لها نظير، وخوف وإخبات وخشية لله تعالى.

وإنا لنحسب أن من هؤلاء الذين كانت هذه الصفات سجية لهم؛ أخونا في الله البطل الشهيد أبو إسحاق إبراهيم إقْرِيقَة - من مواليد مدينة غرداية - والذى عرفته ساحات الجهاد بطلا مغوارا.

إذ كان أول إلتحاق له بساح العزة؛ هو نفيره إلى أرض البطولة والإباء أرض أفغانستان عام 1991م، إذ هاجر إليها مع ثلة من الأخيار ... آثروا رضوان الله وترفعوا على كل بهارج الدنيا، وخرجوا يحملون أرواحهم على أكُفهِم، يتمثلون قول القائل:

فيا ربِ إن حانت وفاتى فلا تكن

يُصابون في فجٍ من الأرضِ خائف ... ولكن أحِنْ يومي سعيدا بعصبة

تقى الله نزالون وقت التزاحف ... كتائب من شيبان ألف بينهم

وساروا إلى موعود ما في المصاحف ... إذا فارقوا دُنياهم فارقوا الأذى

كما تخرج الاُسْدُ من غابِهََا ... خرجوا؛ فكانت لهم أرض الافغان الحصن والمحضن، ليلتقوا مع الغرباء القادمين من شتات بلاد الاسلام، وكُلُهم يحمل بين أضلعه حرقة على واقع أمته، وطموحا منقطع النظير لإعادة الأمجاد الغابرة، حتى يتفيئ كل مسلم ظلال الخلافة.

ومن هؤلاء أخوه ورفيق دربه خالد أبو العباس الافغانى حفظه الله، فألتقى بهم أبو اسحاق وشاركهم نفس المشاعر والأحاسيس.

ولأن الإعداد العسكري هو أول الخطوات؛ فقد التحق أخونا أبو إسحاق بدورة عسكرية مركزَة في"معسكر صدى"الشهير، دامت هذه الدورة ثمانية أشهر، وكان المعسكر إذ ذاك بإمارة الاخ المجاهد أبي بُرهان السورى، فنبغ أبو اسحاق في تلك الدورة مما دفعه إلى مواصلة المشوار في العلوم العسكرية بمختلف فنونها، وفتح الله عليه فأتقن العديد من الفنون خاصة فن التفجير.

وفي تلك البلاد تعرف الشهيد أبو اسحاق على العديد من الليوث الأبطال الذين لا ينامون على الضيم من أمثال القائد الشهيد أسد الاسلام خطاب وأبى ثابت المصرى وأبى بنان الجزائري وأبى حكيم المدني، حيث عاش معهم ردحا من الزمن، متنقلا بين المراكز والجبهات، متفانيا في العمل والخدمة.

جاعلا نصب عينيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مُغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، أو كان في الساقة كان في الساقة) .

ولما سقطت كابل سقوطها الأول؛ بدأ يُعِد لإخوانه العديد من الدورات منها دورة مركزة في الطيران الشراعي، غير أن الأحداث تسارعت بشكل لا مثيل له، خاصة في بلده الجزائر.

فاجتمع على إثر تلك الأحداث الدامية مع إخوانه في أرض أفغانستان، وكان معهم مدربهم الأخ أبو سهام الجزائري، ولما ناقشوا أوضاع بلدهم وتسلط الطغاة على رقاب أهلهم؛ قرروا النزول إلى البلد، ثأرا للدين والحرمات وذودا عن الاسلام الجريح، يتمثلون بقول القائل:

خرجنا إلى الموت شم الأنوف

ونأتي المنية من بابهَا ... نمُر على شفرات السيوف

الخطوب حنانا بهَا ... ستعلم أُمتنا أننا ركبنا

نزل إخوانه من قبله، ثم تأخر بعدهم، فضاقت نفسه كثيرا حزنا على تأخره عن اللحاق بهم - كما كان يحدث أخاه خالد أبو العباس بذلك -

ثم كتب له الله العودة إلى بلده عام 1993 عن طريق المغرب، ليبدأ مرحلة جديدة وتاريخا مجيدا، ملؤه البطولة والتضحية والاقدام والانغماس في العدو.

وكانت أول جبهة خاض غمار الحرب فيها هي"الشلف"، ومنها إلى"كتيبة تيارت"التي عُرفت فيما بعد بـ"المنطقة العسكرية الثالثة"أيام"الجماعة الاسلامية المسلحة"، وعينه أمير المنطقة عبد اللطيف عكاشة من مستشاريه العسكريين عام 1994، فبدأ بإنشاء معسكر للتدريب في مدينة"تيارت".

وكان من الذين لهم الفضل بعد الله عز وجل في إدخال علم التفجير إلى المجاهدين بأرض الجزائر، مما أربك حسابات الطاغوت وكبده الكثير من الخسائر، ورفع معنوبات المجاهدين وحول ضعفهم إلى قوة يُحسب لها ألف حساب.

وشارك الشهيد أبو إسحاق خلال تلك الفترة في العديد من المعارك والأكمنة الموفقه، مما أكسبه المكانة اللائقة بين إخوانه المجاهدين، فتم له في تلك الفترة حضور"لقاء الونشريس"الذى جمع الكثير من قادة الجهاد في الجزائر، ونشبت على أثره الكثير من المعارك مع الطاغوت وكان النصر فيها حليف المجاهدين، وكانت الهزيمة والصغار تلاحق أعدائهم إينما حلوا وحيثما نزلوا.

ولما نقل الشهيد أبواسحاق الخبرة العسكرية خاصة في التفجير إلى إخوانه في تلك المنطقة؛ قرر الرحيل إلى منطقة الصحراء بجبال"القعدة"سنة 1995، والتقى بأميرها عبد الباقي رحمه الله، فحدثه عن الحاجة الماسة لتلك المنطقة إلى علم التفجير، فبدأ أبو اسحاق المهمة، ولم يلبث حتى خرج مجموعة تتقن علم التفجير، مما اربك حسابات العدو وجعل جنوده يرجعون إليه أشلاء ممزقة، فلله الفضل والمنة.

ثم التحق بإخوانه في"كتيبة الشهادة"، والتى كان أميرها إيغل الافغاني، ولقد كانت هذه الكتيبة تنشط مع"كتيبة جند الله"بقيادة عبد الباقي رحمه الله بالجنوب الجزائري، فشارك معهم أبو إسحاق، حتى بدأوا الانتقال إلى الجبل، وشارك معهم في إسقاط مروحية عام 1995، كما شارك في مواجهات كبيرة منها إسقاط مروحية كبيرة في"واد النسا"بمنطقة"ورغله"بصحراء الجزائر.

وفي سنة 1996 تولى منصب مستشار"المنطقة التاسعة"لأميرها خالد أبو العباس حفظه الله، وفى تلك السنة نزل إخوانه إلى الصحراء الكبرى لإمداد الجماعة بالسلاح والذخيرة، وكان من الرجال الذين ساهموا في فتح هذه المنطقة وجعلها قاعدة خلفية لإمداد إخوتهم في الداخل، مما أسهم في فك الحصار والعزلة الخانقة التى كان يعانى منها إخوانه في الداخل.

ولقد شارك خلال تلك الفترة في العديد من المواجهات والأكمنة مع الجيوش العميلة في المنطقة، ومن هذه المواجهات كمين النيجر عام 2005 مع قوات مكافحة الارهاب في النيجر.

ولما قررت الجماعة توجيه الضربة الاولى للطاغوت الموريتاني بسبب ردته واستماتته في حرب المسلمين داخل بلده وخارجها، تم الاعداد للعملية المعروفة بعملية"المغيطي"، شارك فيها الشهيد أبو إسحاق وكان أمير مجموعة الاقتحام التى كان لها الدور الكبير - بعد الله سبحانه - في نجاح العملية.

ولقد تحدث إخوانه عن كرامة حدثت له قبل أن تفيض روحه إلى بارئها، إذ حدث أبو محمد الموريتانى فقال: (لقد رأيته يبتسم حينما كانت روحه تفيض إلى ربه عز وجل) .

ولقد رأى أحد المحاهدين قبل العملية بأيام؛ أن القائد خالد أبا العباس أصيبت يمينه، فلما قُصت الرؤيا ضحك أبو اسحاق، وقال: (إن تأويلها أني أُقتل شهيدا في سبيل الله) ، يُريد أن يُنبه على قربه الشديد من خالد، إذ كان له كالظل لا يفارقه إلا نادرا.

ولما دخل المجاهدون العملية؛ كان أبو اسحاق على موعد مع قضاء الله وقدره، إذ أصابته رصاصة غادرة فارق على إثرها الحياة، لتشهد له دمائه التى أريقت؛ أنه ما أخلد إلى الارض طرفة عين ... وما أحب البقاء في هذه الدنيا الفانية.

غاب عنا أبو اسحاق بجسمه، غير أن خلقه واستقامته وتواضعه الجم؛ لا زال نبراسا ينير لنا الطريق كلما ادلهمت الخطوب وتكاثرت الهموم.

فرحمة الله عليك يا أبا إسحاق، ونسأل الله أن يجمعنا بك في مستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اللجنة الإعلامية

للجماعة السلفية للدعوة والقتال

الاحد، 20 /جمادي الثانية/1427هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت