فهرس الكتاب

الصفحة 1085 من 1099

في ليلة الخامس عشر من شهر رمضان المبارك عامَ ألف وأربعمائة وأربع وعشرين، وقبل منتصف الليل أقبلت سيارة من نوع تويوتا بيك أب مموهة بشعار قوات الطوارئ يقودها شخص يبدو عليه الثبات والاتزان والهدوء وقامت بالدخول في مجمع المحيا السكني بعد اشتباك مع حراسات المجمع لتنفجر بعد ذلك مدمرة بؤرة من بؤر الصليبيين في جزيرة العرب.

كان ذلك المشهد آخر لحظات المجاهد البطل ناصر بن عبد الله السياري في هذه الدنيا، وأول لحظاته في الآخرة."ناصر السياري"ذلك الاسم الذي حُفر في ذاكرة جزيرة العرب وأهلها بل في ذاكرة الأمة كلها حين أقبل يحمل روحه على راحته ليبذلها رخيصة في سبيل الله."ناصر السياري"ذلك الرجل الذي اختار الموت عزيزًا على لين العيش ذليلًا وتلك والله عادة الأباة الكرام.

بعد ضربات 11 سبتمبر المباركة في نيويورك وواشنطن طلق بطلنا الدنيا ثلاثًا واستقبل الآخرة بقلبه بل بكل ذرة فيه .. حمل معه من متاع الدنيا بُلغة يتبلغ بها إلى حيث يتركها بما فيها لطلابها والمخدوعين بها، وفي أفغانستان حط رحله حيث شارك إخوانه هناك الإعداد والاستعداد وخاض بعض المعارك إلا أن الله لم يكتب له الشهادة لأمر يريده فعاد مع من عاد من المجاهدين إلى أرض جزيرة العرب.

لم يكن رحمه الله هيابًا ولا جبانًا، ولم يكن ممن القهقرى مشيه .. بل كان شجاعًا قوي القلب مقدامًا ويتجلى هذا الأمر في صورة مشرقة حين عرض نفسه للخطر نصرة لأحد إخوانه .. وقتها كان الطلب على الشيخ أحمد الدخيل رحمه الله في ذروته بعد كلمة الإفتاء، وكانت حكومة الردة قد قلبت البلد بحثًا عنه، وكان من يفكر مجرد تفكير بنصرة أبي ناصر رحمه الله يجعل في حسابه أن نسبة الخطر هي مئة بالمئة فلم يكن ليقدم على ذلك إلا رجل ألغى الحسابات المادية من تفكيره وكان ذلك الرجل هو الشهيد ناصر السياري رحمه الله.

كان يتنقل بأبي ناصر بسيارته الخاصة ليلقي كلماته النارية في مساجد الرياض رغم انتشار المباحث قاتلهم الله، كان رفيقَه في كلمة مسجد البراك وفي كلمة جامع الراجحي، وكان رفيقه في كلمة مسجد الفوزان، وما أدراك ما كلمة مسجد الفوزان .. يومها أعمى الله كلاب الطاغوت عن أبي ناصر ومن معه بخدعة لطيفة أمَرُّوها عليهم. ذلك اليوم أحس أبو ناصر ومن معه بحركة في الحي الذي فيه مسجد الفوزان، وبعد الانتهاء من الكلمة قام مجموعة من الإخوة بالتجمهر والتحرك لإيهام المباحث أن أبا ناصر معهم بينما خرج هو ومعه السياري رحمه الله وآخرون مسرعين واستقلوا سيارة كان السياري قائدها وغادروا المكان سالمين.

كان رحمه الله يقول لأبي ناصر وقت اشتداد الطلب عليه:"إذا أردت إلقاء كلمة في أي مسجد أخبرني قبل الأذان وسأكون في المكان الذي تريد وأنا أوصلك بإذن الله"ولم يكن ذلك الموقف نقطة نهاية السطر في شجاعته بل أضاف إليه أن استضاف أبا ناصر وبعض إخوانه في استراحة الشفا التي وقع فيها الاشتباك بين أولياء الشيطان وبعض المجاهدين، وعندما وقع الاشتباك كان ممن خرج سالمًا ولكنه وقع في أسر الطواغيت بعد مدة ليمكث ماشاء الله أن يمكث وليخرج بعدها أشد ثباتًا وأقوى بصيرة بحال الطواغيت وأشد حبًا للجهاد والمجاهدين.

كان بعد خروجه كثير الحديث عن الشهادة، كثير التمني لها ولم يكن حاله في ذلك كحال أصحاب الكلام الذين ما إن يحين وقت الجد حتى يولوا الدبر بل كان صادقًا نحسبه كذلك والله حسيبه فلم ينشب أن انضم إلى قائمة الاستشهاديين في غزوة شرق الرياض وأخذ لذلك الأمر أهبته ولكن قدر الله كان أسبق حيث حصل تغيير في الترتيب للعملية أدى إلى التعجيل بها فلم يكتب لشهيدنا أن ينال شرف الشهادة في تلك الغزوة، ولعل الله ادخره لموطن آخر من المواطن التي يحبها ليصطفيه فيه مقبلًا غير مدبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت