فهرس الكتاب

الصفحة 1084 من 1099

أما الشهيد أبو أيوب فيصل الدخيل - تقبله الله - فقد قال عن المعبدي - رحمه الله: كنت في آخر الأيام قبل استشهاده رحمه الله لا أكاد أراه إلا وفي يده المصحف، حتى إذا جلس يتحدث معك أو سلمت عليه تجد المصحف معه، وإذا رأى الإخوة جلسوا أخذ له زاوية وجلس يقرأ.

وعندما انطلقنا للمجمع لتنفيذ عملية المحيا وفي أقرب نقطة آمنة وقفنا فيها رأيت منه عجبًا، سبحان الله ... إذا رأيت وجهه في تلك اللحظات لا تقول هذا سيقدم على عملية استشهادية بعد عدة دقائق يفجر نفسه فيها، والله الذي لا إله إلا هو أنني كنت أراه يضحك ويبتسم ويمازح الإخوة وكأنه استشعر حقًا ما هو مقدمٌ عليه، نسأل الله أن يرزقنا اليقين الذي رزقه هؤلاء الإخوة، وكان يقول لي: يا إخوان .. يا إخوان اثبتوا .. موعدنا الجنة، اثبتوا .. موعدنا الجنة، نسأل الله أن يجمعنا معهم في جنات النعيم وأن لا يفتننا بعدهم.

الشهيد خالد القرشي رحمه الله قال: أول ما أبدأ كلامي عن أبي عبد الله المكي رحمه الله بذكر آخر عبارة قالها لي قبل العملية ألا وهي قوله: ادع الله أن يتقبل مني هذا العمل، وكان يوصيني بأن أوصي الإخوة بأن يدعوا له بأن يتقبله الله في الشهداء [1] .

وعلي المعبدي رحمه الله كان من أبناء الحي الذي كنت أسكن فيه في مكة (حي العتيبية) ، وما عرفته وما جلست معه إلا قبل العملية بيومين، من بداية استقامتي وأنا اسمع عن علي بأنه كان مطلوبًا لدى الطواغيت لعنهم الله، وكل ما جلست مع الإخوة يذكرون لنا أبا عبد الله علي المعبدي، لم أجلس في جلسة إلا ويذكرونه بخير.

قصّ علي قصة خروجه للجهاد في أفغانستان بعد خروجه من السجن، وكانت قصةً مؤثرة فقد كان ينوي الخروج مع أحد الإخوة الذي كان يعرفهم قبل السجن، فلما خرج من السجن وجد الأخ قد غيّرَ وبدّل، وكان يكنى بأبي مصعب نسأل الله يتقبله في الشهداء.

يقول الأخ علي: رتبت زيارة للأخ أبي مصعب، صليت الجمعة وذهبت إليه بدون أن يعلم، ولما دخلت البيت استقبلني أخوه، فسألته عن أبي مصعب، فأخبرني بأنه نائم، فقلت له: لا توقظه أنت، دعني أوقظه أنا، يقول: دخلت عليه غرفته وهو نائم ووجهه جهة الجدار، وناديته: يا أبا مصعب، يا أبا مصعب، وهو يقول: نعم نعم، ولم ينظر من المنادي، ثم كأنه أحس بأن الصوت ليس صوت أحد إخوانه، واستغرب هذه الكنية التي لم يعد أحد يناديه بها، فالتفت فجأة وفور ما رآني عانقني وكان خجلًا جدًا، سألته: كيف حالك، يقول: فكان يتكلم معي خافضًا عينيه إلى الأرض، وقال: الحمد لله، سألته: هل صليت الفجر؟! قال: لا، صليت الظهر؟ قال: لا، قلت له: قم صل الآن جزاك الله خيرًا، فقام وصلى وذهبت وجلست مع إخوانه قليلًا حتى جاء، خرجت معه بعد العصر وقلت له: هل أنت مشغول؟! قال: لا، قلت له: أريدك أن توصلني إلى مكان قريب، يقول علي - ولم أرغب أن أكلمه أمام إخوانه - وفي السيارة كلمته ووعظته فتأثر وقال: لابد من النفير إلى الجهاد، أنا لا أرتاح إلا في ساحات الجهاد، قلت له: هل أنت صادق؟ قال: نعم، قلت له: اصدق مع الله يا أبا مصعب والله يصدقك إن شاء الله، يقول: فذهبنا إلى أحد الإخوة المنسقين فجهزوا لنا جوازيَّ سفر، فحدث أن تعثر الأخ أبو مصعب عند معبر الخروج ولم يستطع المرور، وأما أنا فقد تيسر مروري بحمد الله، فاتصلت عليه بعد وصولي وعلمت منه أنه لم يرجع إلى بيته بل ذهب إلى بيت الأخ المنسق وسكن عنده وكان يبكي ويقول: ما ردني عن الجهاد إلا ذنوبي، وكان يبكي ويتضرع إلى الله حتى أكرمه الله بالخروج، ثم أكرمه بنيل الشهادة في أفغانستان - نحسبه كذلك والله حسيبه فرحم الله أبا عبد الله وتقبله في الشهداء وجمعنا به في جنة الفردوس.

(1) [نسأل الله أن يتقبلهم جميعًا في الشهداء]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت