فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 1099

شهيد من آل البيت على أرض أفغانستان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

ولد الأخ يونس العلمي الملقب بـ"عزَّام"رحمه الله عام 1973 الميلادي، وهو من أسرة تنتمي إلى أهل البيت - رضوان الله عليهم أجمعين -

هاجرت أسرته إلى المغرب من زمن بعيد.

عاش في ظروف ما بعد الاحتلال الفرنسي لأرض المغرب التي عاث فيها المستعمر فسادًا وترك فيها بني جلدتهم ليكونوا هم القدوة والأسوة، فلا تكاد ترى حيًا من أحياء العاصمة المغربية - الرباط - ولا عمارة سكنية من عماراتها إلا وتجد فيها أسرة نصرانية مدسوسة بين أسر المسلمين.

نشأ عزّام في هذه البيئة، يترعرع بين مد تربية النصارى وجزر تربية الوالدين، فرجحت كفة الأولى مدة طفولته ومراهقته ودراسته، حتى تخلق بأخلاقهم وعاداتهم، بل صار يجيد اللغتين الفرنسية والإنجليزية أكثر مما يجيد اللغة العربية.

عاش هذه الفترة في جهل بدينه، مقلدًا النصارى في أغلب الأمور، إلا أنه من حسن أقدار الله عليه أنه كان يهتم بصحته أيما اهتمام بالرياضة وما طاب من الطعام، واستمر على ذلك حتى غشيته رحمة الله بالهداية، وذلك بعد أن رأى الله في قلبه الخير، {إن يعلم الله في قلوبكم خيرًا يؤتكم خيرًا} ، حيث بدأت نفسه تلومه، ويضيق صدره من حاله التي لا يحمد عقباها فبدأت خلالها سحابة من الغيث تمطره بالعطاء والإحسان، إلى أن بلغ ذروة السنام - الجهاد -

حين أنعم الله بالهداية بدأ بحضور مجالس الذكر والعلوم الشرعية، فأصبح قلبه في غالب الأحيان معلقًا بالمساجد؛ ما إن يسمع بدرس من الدروس فيها إلا ويهرع إليها ويشد لها الرحال، حتى غدا الدين يتعمق في قلبه شيئًا فشيئًا ويترسخ العلم الضروري في ذهنه يومًا بعد يوم.

في غضون هذه الحياة الجديدة التي قطع فيها رحمه الله وصال كل ما كان له علاقة بالماضي، كان من حين لآخر يلقي له الشيطان شباكه من خلال معاكسات ومكالمات هاتفية تأتيه من رفقاء السوء ليعيدوه إلى ساحة الدواب والأنعام التي لا تسمع ولا تعقل، إلا أن معاهدته النفس بالتربية والإصلاح كانت لا تدع له مجالًا أن يلف وجهه ذات اليمين وذات الشمال.

ثم حاول الشيطان أن يجعل الوحدة والعزلة منفذًا ليغلو به ويوقعه في"الردى"؛ فلم يكن عزام رحمه الله يغفل عن حراسة هذا السياج بالرفقة الطيبة والاجتماع، حتى أنه ذات مرة سافرت أسرته إلى إحدى الدول العربية لقضاء عطلة الصيف فيها، فرفض السفر معهم لعلمه بالفتنة التي ستواجهه هناك، مما اضطره أن يبقى وحيدًا، فعزم على ألا يدخل البيت، وأن لا يبيت فيه إلا وهو بصحبة أحد الأخوة.

وكان رحمه الله دائمًا ما يردد جملة تدل على جراح قلبه مما يجده في الشوارع من العري والفسق والضلال: (لولا وجوب الصلاة مع الجماعة في المسجد لاعتكفت في البيت فلا أخرج منه أبدًا) .

ثم قدر الله له الالتقاء مع مجموعة من الأخوة الذين تحالفوا على تطهير الأماكن المشهورة بالفسق والفجور، فكانوا يتجهون دبر كل صلاة صبح نحو هذه الأماكن، يضربون الزانيات بالعصي ويتوعدونهم، حتى بلغ الأمر السلطات؛ فأعلنت حالة الطوارئ والتفتيش عن أفراد هذه المجموعة، إلا أن الله سبحانه وتعالى أحاطهم برعايته فلم يصابوا بسوء.

ثم أراد الله له الخير بعد أن اشتاق للجهاد، فالتقى بأحد رفاقه القدامى وكان قد قدم من أفغانستان مؤخرًا، وعندما عرض عليه رفيقه الهجرة إلى أفغانستان؛ كاد يطير فرحًا من هذا الخبر السعيد الذي طالما انتظره، وما إن بدأ تجهيز لوازم السفر حتى عرض عليه الزواج، بينما كان يسعى له سابقًا فما استطاع، كما عرض عليه أخوه العمل معه في شركة استيراد وتصدير؛ كل هذه الإغراءات لم تجد منه إلا قلبًا عامرًا بالإيمان، فتوكل على الله قاصدًا الهجرة بحرارة وحماس وكأن لسان حاله يقول: {وعجلت إليك رب لترضى} .

يسر الله له كل الأسباب فهاجر ووطئ موطأ يغيظ الكفار وطأه له، حيث الإعداد والرباط والجهاد - أرض أفغانستان - وبعد أن وضع رحاله وشعر أن لا سلطة لأحد عليه سوى الشريعة، أخذ النشاط منه كل مبلغ، فأقبل على النهل من أنهار العلوم العسكرية والتدرب على كل أنواع الأسلحة المتوفرة في الساحة حتى تمكن من ذلك.

ثم توجه إلى كابل - إلى الخط الأول - فرابط ما شاء الله له أن يرابط، حتى انتهى به التجوال إلى جلال آباد حيث تسلم مسؤولية التدريب على حرب المدن وكيفية استعمال الحبال والرماية بالمسدس.

وكان رحمه الله نعم الأستاذ وأعظم به من مدرب يتميز بالحركات السريعة ويستعمل المسدس بطريقة احترافية فذة، ويتعامل مع الحبال صعودًا ونزولًا وعبورًا بشكل يثير الإعجاب.

واستمر على هذا المنوال حتى سقطت الإمارة الإسلامية؛ التي كان يتربص بها كل ذي ناب حقد ومخلب بغض، حتى وجدوا الفرصة فأثخنوا أتباعها بالدماء، وكانت تلك الأيام شديدة على عزام رحمه الله وعلى كل مجاهد عاش تلك الفترة في أفغانستان، ثم صدرت الأوامر بالانسحاب من أفغانستان والانحياز إلى باكستان.

في البداية أبى أن يخرج من أفغانستان مفضلًا أن يبقى يقاتل حتى الموت، لكنه سرعان من راجع نفسه واستجاب للأمر، وقرر أن يعود إلى المغرب ليساهم مع إخوانه في مسيرة الجهاد هناك، فسعى طاقته لتحقيق هذا المشروع، إلا أن الله سبحانه وتعالى قدّر أن يتم أسر الأخ الذي كان يحمل جواز سفره من قبل السلطات الباكستانية العميلة، مما دفعه إلى تغيير المكان الذي يقيم فيه، وبعد يومين جاء الجيش وحاصر المكان السابق وشرع في التفتيش إلا أنهم رجعوا خائبين خاسرين.

حاول بعدها عدة مرات السفر إلى المغرب، ولكن الله أبى إلا أن يكون قبره في أفغانستان، فقد جاءت حملة عودة الأخوة الموجودين داخل التراب الباكستاني إلى المناطق الحدودية مع أفغانستان، وكان من بين العائدين عزام رحمه الله، لحين تجهيز جواز سفر جديد له.

في هذه الأثناء صدرت إليه الأوامر بالدخول إلى أفغانستان وبالتحديد منطقة جومل ليقترب شيئًا فشيئًا من تحقيق وعده الذي كان دائمًا يردده في صلواته وسجداته: (اللهم مزق جسدي في سبيلك) .

بدأت رحلة التمحيص والتزكية تمهيدا ًللشهادة، حيث توالت عليه في الأشهر الثلاثة الأخيرة سلسلة من الأمراض ما إن يقوم من أحدها حتى يصرعه آخر.

مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة) .

وفي خضم هذه الابتلاءات وقبل أن يمن الله عليه بالشهادة بيوم واحد - يوم الجمعة 28/شعبان - إذا به وقد تعطشت نفسه للرماية، فتعجبت منه حينما تناول المسدس بشغف وشرع يضغط بسبابته على الزناد بكل قوة مستهدفًا علبة معدنية يتتبعها بالرماية، حتى ما دريت أين اختفت، وكأن الله ألقى في روعه أنها ستكون آخر رماية له بالمسدس في حياته.

ثم اغتسل، وأهلَّ علينا تبدو عليه مخايل الرفاهية والنضارة، وهو يردد قائلًا: (لقد فعلت كل سنن الفطرة، وإني على استعداد لأن تحتضني الحور العين) !

أخذت الليلة الأخيرة من شعبان ترخي سدولها، وإذا بأهل المنطقة يخبروننا بقدوم تسع سيارات للجيش الأمريكي وأتباعهم من أهل النفاق في حكومة كرزاي، وأنهم قد خيموا بالقرب من القرية التي نرابط فيها لقضاء الليلة هناك.

وبينما يستعد الجميع للذهاب إلى موقع الكمين لقافلة العدو إذ فوجئت بالأخ عزام رحمه الله يطلبني في خيمته ويوصيني ببعض الوصايا، ولقد وقفت مبهوتًا مستغربًا حين سلمني رقم هاتف أخيه، وقال لي؛ خبره بقتلي، ولم يجعل صيغة الإخبار مشروطة بل ذكرها بصيغة الأمر، وكأن الله ألقى في روعه شيئًا، وكأنه كان يشم رائحة الشهادة، فثبت إليه وعانقته عناقًا حارًا، واستسمحته فسامحني، وطلب منى بدوره المسامحة، ثم غادرني متوجهًا إلى السيارة حيث جلس بداخلها ينظر إلى سلاحه وأنا أرنو إليه.

فلما اقتربت منه فتح نافذة السيارة وإذا به يطلق جملة كان وقعها علي كالسهم حيث قال: (نلتقي في الجنة إن شاء الله) ، ثم تحركت السيارة.

أخذ المجاهدون مواقعهم تلك الليلة ينتظرون دخول سيارات العدو إلى منطقة الكمين، فلما دخلته بادروها بنيران كثيفة فتأججت أربع سيارات منها بالنيران، والتفت ألسنة النيران وأنياب الطلقات على أعناق اثنين من كبار مسئولي الاستخبارات الأمريكية، وخمسة وعشرين من سفلة الناس في"جيش كرزاي".

وبينما الحال كذلك إذ فوجئ الأخوة بدورهم برماية تأتيهم من الخلف، حيث استطاع أصحاب السيارات المتبقية أن يلتفوا على الأخوة ويحاصرونهم.

وكان عزام على موعد مع الشهادة، حيث أصيب في الظهر إصابة مباشرة، فسقط يسيل دمه فوق الثرى ليبدأ حياة جديدة معطرة بلون الدم ولكن ريحه المسك - نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله -

{وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَآءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} .

كتبها؛ أبو عبيدة المقدسي

عن مجلة طلائع خراسان

العدد الأول، جمادى الآخرة/1426 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت