فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 1099

[الكاتب: محمد عباس]

بسم الله الرحمن الرحيم

أوحشتني يا شيخ أسامة ..

أوحشتني يا شيخي ..

نعم .. أنت شيخي .. و أبي .. ومعلمي .. وقائدي ..

فبرغم أنني أسن منك إلا أنك أكبر مني .. ومن كل شيوخي .. أكبر من كل شيوخنا .. ولا أضع في إطار المقارنة حكامنا .. فمجرد وضعهم في معادلة أنت الطرف فيها خدش للدين وجرح للروح وإهدار للمنطق ..

أوحشتني ..

وعندما قرأت أن أخا أردنيا في الله قد أدي العمرة عنك هذا العام .. بكيت ..

تمنيت لو أنني كنت السابق إليها .. فعضضت بنان الندم ..

إلا أن ذلك يجعلني أحاول تدارك ما قصرت فيه .. لأوجه النداء إلى إخوتنا في الجزيرة العربية ممن أدوا فريضة الحج .. أن يهبوا حجهم هذا العام إلى البطل أسامة بن لادن و أصحابه الأبرار ..

أوحشتني يا شيخي ..

أوحشني وجهك .. وتلك الهالة من النور حوله .. نور الإيمان والجهاد والتصميم والعزم والمضاء .. وهي هالة لم نعد نراها على وجه أحد سواك .. إلا وجوه إخوانك وجنودك ..

أوحشنى أن أراك تمتطي صهوة جواد ينهب بك الأرض فكأنه لا يطوي المسافات فقط بل يوغل في الزمان أيضا .. وكأنك - يا شيخي ويا حبيبي - قادم إلينا من عصورنا الأولي .. عصورنا الباهرة المشرقة حيث النور والطهر والأمل والعزة .. عصور الصحابة والتابعين .. وعصر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ..

تلك يا شيخي كانت عصورنا المشرقة .. وكانت في نفس الوقت بالنسبة للغرب عصورا مظلمة حالكة كان يتمرغ طيلتها في وحل الجهل والوحشية والهمجية والتخلف ..

لكن عبيد الغرب فينا - بل عبيد الشيطان - يسمون أعظم عصورنا بالعصور المظلمة أو الوسطي .. !!

هل أظلمهم يا شيخي حين أقول لك أن كل من يقول ذلك منهم إما كافر أو منافق أو جاهل؟ ..

نعم يا شيخي ..

لكأنك قادم إلينا من عصور النور تلك تحمل لنا زادا من النور .. وتوصل لنا البذور النقية - من منبعها الأصيل الذي لم تتشوه فيه- التي علينا أن نغرسها حتى نجني الثمر ..

أوحشني وجهك النبيل الحزين يبتسم ..

لكن كيف تعود الابتسامة إليك وقد تداعت الأمم على أمتك كما تتداعى الأكلة على قصعتها ..

على أمتك ..

أمة لا إله إلا الله محمد رسول الله ..

خير أمة أخرجت للناس .. لولا أنها كفت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. بل راحت تنهى عن المعروف وتأمر بالمنكر وتحرم الجهاد ..

وكما سموا أعظم عصورنا بالعصور المظلمة فقد سموا الإسلام إرهابا .. وراحوا - أعداء الله - قتلهم الله يحاربونه ..

فكيف لك أن تبتسم ..

أعرف - يا حبيبي - كم تكأكأت الهموم وتكالبت الخطوب عليك ..

أعرف فداك نفسي ..

تكالبت الخطوب وكان أمرها و أقساها خيانة الأقربين .. خاصة من كانوا مسلمين ..

انقلبوا عليك يا شيخي ..

وعزاؤك أنهم قبل أن ينقلبوا عليك كانوا قد انقلبوا على الإسلام .. وقبل أن يخونوك كانوا قد خانوا الله ..

وليس ذلك فقط ..

لقد خانوا العقل والمنطق والمصلحة المباشرة.

خانوا القومية التي طالما أغوونا بها .. والوطن الذي طالما تغنوا به ..

بل خانوا حتى تقاليد القبيلة ..

إن أبا طالب المشرك لم يتبرأ من الرسول صلى الله عليه وسلم ولا سحب منه جنسية قريش .. وحتى أبو جهل و أبو لهب عندما طالبوا به ليحاكموه أو ليقتلوه هم .. لا ليسلموه إلى قيصر ..

والله الذي لا إله إلا هو يا شيخي إني لأظن مشركي قريش أعلى مرتبة من حكامنا وكتابنا .. ولولا محاذير ذكر المعيّن - وهي محاذير أتمنى من الفقهاء مراجعتها- لذكرتهم ملكا ملكا وولى عهد ولى عهد ورئيسا رئيسا و أميرا أميرا .. وكاتبا كاتبا ..

نعم يا شيخي .. كان للمشركين كرامة وليس لهم .. وكان عندهم نخوة وليس عندهم .. وكان فيهم فضائل ليست فيهم .. وكانوا يتعصبون للبلد والعرق أما حكامنا وكتابنا فيتعصبون للصهاينة والصليبيين .. وكان عند المشركين فضيلة الاعتراف بفواحشهم أما نخبنا الحالية فما نرى منهم إلا أفعال الشياطين وما نسمع منهم إلا أقوال القديسين ..

إنهم - يا شيخي - ملوك فسقة ورؤساء فجرة وأمراء خونة لا يزن الواحد منهم عشر بعوضة يوم القيامة .. يضيعون الصلوات ويتبعون الشهوات .. وعندهم يصدق الكاذب، ويكذب الصادق، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين .. وهم جثاؤهم جثاء الناس وقلوبهم قلوب الشياطين لا يرحمون صغيرا ولا يوقرون كبيرا ..

لقد أضلوا الأمة يا شيخي ..

لم تقتصر مخازيهم على الفساد الشخصي الذي من علاماته نهب الأموال وشرب الخمور والتبذل والتعهر .. بل كان لابد أن يخلقوا حولهم دوائر فساد في الأمة .. وراحت هذه الدوائر تتسع كما تتسع الدوائر حول حجر أُلقِيَ في الماء .. أفسدوا الأمة .. وضيعوا الدين حتى جاءت أيام يصبح الكاتب - والعالم - فيها مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، و يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا. وقل الفقهاء - إلا فقهاء المراجعات- وقبض العلم وراح المشرك يجادل المؤمن بالله في مثل ما يقول. وعم سوء الجوار وقطيعة الأرحام وعُطّل الجهاد وان الدنيا بالدين وساد كل قبيلة

منافقوها وكل سوق الفجار، وارتفعت أصوات الفساق في المساجد، حتى وجدنا من رؤساء شيوخ المسلمين من يعين حكام الفرنجة والصليبيين على المسلمين في بلادهم .. (انظر ما حدث في قضية الحجاب) .. قادونا من أمة كانت خير أمة أخرجت للناس إلى أمة لا يُتبع فيها العليم ولا يستحيا من الحليم ..

هؤلاء هم حكامنا الآن يا شيخي ..

قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب .. أضاعوا الأمانة واستحلوا الكذب واستخفوا بالدماء وباعوا الدين بالدنيا هؤلاء هم حكامنا الآن يا شيخي .. وقد صار الحكم ضعفا والكذب صدقا وظهرت الشهادة بالزور ومقالات الزور وفتاوى الزور وصحف الزور وفضائيات الزور وكتمان شهادة الحق .. فاض اللئام فيضا، وغاض الكرام غيضا، وكان الأمراء والوزراء كَذَبة والأمناء خونة والعرفاء ظلمة والقراء فسقة قلوبهم أنتن من الجيف وأمر من الصبر يغشيهم الله تعالى فتنة يتهاركون فيها تهارك اليهود الظلمة، وتكثر الخطايا ويقل الأمن، خربت القلوب وشربت الخمور وعطلت الحدود، وولدت الأمة ربتها، وترى الحفاة العراة قد صاروا ملوكا، واتخذ الظلم فخرا وبيع الحكم، وكثرت الشرط، يجتمع الناس ويصلون في المساجد وليس فيهم مؤمن. وظهر القول وخزن العمل وارتفع الأشرار ووضع الأخيار وصار العلم جهلا والجهل علما.

هؤلاء هم حكامنا الآن يا شيخي ..

يقول سيدي ومولاي وحبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يكون قبل خروج الدجال ينيف على سبعين دجالا".

وما من حاكم من حكامنا يا شيخي إلا و أراه دجالا من هؤلاء الذين أخبرنا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

خربوا بلادنا يا شيخنا .. ينكر الحق تسعة أعشارهم، يضيعون الإسلام فلا يبقى إلا اسمه، وينسون القرآن فلا يبقى إلا رسمه. المؤمن - يا شيخي - فيهم أذل من العبد يذوب قلبه في جوفه كما يذوب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيره.

نعم ..

هذه هي أوصافهم يا سيدي ويا شيخي وقد جاءت كلها في الأثر .. وقد تحققت كلها .. ومع كل تحقق كان سعارهم ضد القرآن والسنة يزداد .. فالرجوع إلى القرآن يكشفهم ويفضحهم ويقصيهم بل ويقيم الحدود عليهم .. وبالسنة نكتشف تفاصيل أوصافهم .. لذلك .. كرهوا القرآن - أخزاهم الله ونبذوا السنة - و إن ادعوا العكس - وحاربوا أي كلمة حرة ومنعوا كل تعبير يشهد بالحق ..

وكانت كل هذه الوسائل ضرورية كيلا تكشف الأمة خياناتهم حين خانوا ..

كان الصليبيين والصهاينة قد تسللوا إليهم من خلال غبائهم وشهواتهم حتى سيطروا عليهم ووضعوهم في مكان صعب .. إما خيانة الأمة و إما الهلاك .. إما خيانة الدين و إلا نهاية ذليلة - مهما كان اصطناعها وتزييفها - كنهاية صدام حسين ..

وكان مفهوما أن يفعلوا كل ذلك .. ولكن غير المفهوم أن تقبله الأمة أو أن تسمح به ..

ورغم الهجوم العاتي الذي يستهدف دك آخر معاقل الإسلام وحصونه .. والذي يستخدم في ذلك آليات عديدة منها منع التكفير مطلقا متجاهلين أنه باب من أبواب الفقه .. أقول رغم ذلك فإن نتيجة التطبيق كانت أسوأ حتى من المقدمات النظرية .. فقد أسفر التطبيق عن منع وصف الصليبيين والصهاينة بالكفار (مرسوم رسمي في الإمارات) .. بينما تساهل هذا التطبيق تماما مع وصف المجاهدين بالكفار ..

نعم ..

حتى شيخنا الجليل و أتباعه الأبرار لم يسلموا من ألسنة الشياطين فاتهمهم أحد كبار الأمراء بكفر لست أشك أن الأمير الحقير باء به ..

حتى فقهاء الوسطية حكموا بكفر الحاكم الذي ينكر الحكم بما أنزل الله .. راجع على سبيل المثال فتاوى الدكتور يوسف القرضاوي و كذلك الشيخ بن باز الذي يقول في رد على سؤال:"ما قولك في حاكم لا يحكم بما أنزل الله، وهو يعتقد بأنه مخطئ، آثم في عمله هذا؟".. ويرد الخ بن باز:"من يفعل هذا يكون عاصيًا، وقد أتى كبيرة، عظيمة إذا كان لا يستحله، ولكنه إن تابع الناس لمقاصد سياسية أو لمقاصد دنيوية، يكون عاصيا وكافرًا دون كفر، وظالما دون ظلم، فإذا استحله، أو قال بأن القانون أفضل أو مساويا يكون كافرًا عند جميع المسلمين."

لماذا لم يحرس العلماء الأمة من انحراف الحكام حين انحرفوا وحين خانوا ..

وهنا لابد أن أقول أن الكارثة الآخذة بخناق الأمة إنما ترجع أول ما ترجع إلى نكوص العلماء عن القيام بدورهم .. وما تلك التراجعات المهينة المخزية إلا دليلا على ذلك ..

أدرك محاذير التكفير .. لكنني في نفس الوقت أدرك الخطورة الهائلة الكامنة في جمود الفقهاء عن مواجهة الخطر .. خاصة خطر الحكام المارقين الخونة الذين اتفقوا مع أعداء الله والدين والأمة ..

إننا نواجه ظرفا استثنائيا خاصا ... يلزمه فقه خاص يواكبه ..

ودعوني أضرب لكم مثلا ..

إن للمرأة أن تبدي من زينتها أمام محارمها ..

هذا حلال وصحيح ومباح ولا إثم فيه .. ولا أحد يجرؤ على تخطئته ..

لكن ..

إذا كان هناك من محارم هذه المرأة من حاول اغتصابها أو زنى بها .. هل يظل الحكم الشرعي العام كما هو؟ .. أم أن الفقه يواجه هذه الحالة الاستثنائية بفقه استثنائي ..

ألا ينطبق بالقياس مثل هذا على الحكام ..

ألم يغتصبوا شعوبهم ..

ألم يزنوا بالأمة؟ ..

ألا يستحق هؤلاء الطواغيت الطغاة أحكاما فقهية خاصة توازي خطورة جرائمهم ..

لماذا نكص فقهاؤنا .. ولماذا تراجع من كان قد نطق بكلمة الحق ..

إن مثل هؤلاء الفقهاء وعلى رأسهم فقهاء المراجعات يشبهون - فيما ضربناه من مثل- شيخا معتوها اكتفي بشهادة ميلاد مزورة .. أو بشاهدين غير عدلين لكي يفتي باستمرار الخلوة بين المحارم متغاضيا عن خصوص الواقعة وعما تم وعما يمكن أن يتم من شذوذ واستثناء ..

إن الشيخ من هؤلاء شيخ ديوث .. بل أسوأ من الديوث .. فالديوث من لا يغار على عرض امرأته ينتهك .. وهذا لا يغار على عرض أمته بأسرها .. وقد عرّفه السوط لا الشرع من هو ولي الأمر .. وما هو الخطأ من الصواب .. !! ..

ولقد بلغ الأمر بفاسق من هؤلاء - من شيوخ التراجعات في مصر - أن كال المديح لحسني مبارك ليدين بمنتهى العنف الإخوان المسلمين ..

لم يكن شيخا .. بل لسانا للشيطان ..

و أحسست أنني لا أسمعه بل أسمع فؤاد علام ..

آن الأوان لأن نعترف ..

فالواضح الآن أن الأمة لا تريد الاعتراف حتى لا تتحمل مسئولية هذه المعرفة .. وضرورة اتخاذ قرار بعد العلم ..

وهناك فرق بين تقوى الله - تمنع من حكم متعجل دون بينة - و بين اصطناع عمًى وصمم في سبيل النكوص عن تحمل المسئولية ..

نعم .. الدين يفرض علينا محاذير في غاية الخطورة عندما نتناول الناس ومنهم الحكام .. وهذا حق ..

لكن .. في الجانب الآخر يفرض علينا نفس الدين جهادا ولو ببذل الروح في حالات معينة ..

وعلى سبيل المثال .. أنا واحد من الناس - وقد أكون على خطأ- أميل إلى الرأي الفقهي الذي يرى احتمال الحاكم مهما كان ظلمه ما لم يظهر منه كفر بواح .. وما لم يكن في استمراره خطر على الأمة ..

أرى أن ذلك صواب يحتمل الخطأ ..

ولكن ..

إذا اكتشفنا أن الحاكم جاسوس زرعه الأعداء فينا ..

جاسوس لن يبوح أبدا بكفره ..

فهل أتركه يهلك بيضة المسلمين ويستأصل شأفتهم .. ؟ ..

إن العالم الإسلامي يواجه وضعا لم يواجهه في تاريخه أبدا .. فقد كان الحاكم يفسق ويظلم ويكفر وحتى يرتد عن دينه .. لكن قوة الإسلام في الأمة و أولى الأمر كانت تجعلهم قادرين على مواجهة ذلك بالحلول المناسبة ..

الآن يجب أن نعترف أن كل حكام العرب وجل حكام المسلمين علموا أم لم يعلموا (ومعظمهم يعلمون) أرادوا أم لم يُرٍدُوا (ومعظمهم أراد) كانوا عملاء للغرب وجواسيس له و أدوات لقهر أمة استعصت على قهر الغاصب الأجنبي فأوكلوا قهرها إلى أناس من أبنا جلدتهم ..

ويجب أن نعترف و ألا نتجاهل ما وصل إليه العديد من علمائنا وكتابنا من أن مجتمع النخبة والحكام والمستغربين والعلمانيين قد فقدوا إيمانهم بالله منذ زمان طويل .. لكنهم يخشون الاعتراف بذلك أمام أمة قد تذبحهم لو أدركت دخيلتهم .. قر قرارهم على عدم الاعتراف أبدا .. وقر قرارهم في ذات الوقت أن يكرسوا جهدهم للقضاء على الخرافات والأساطير التي يؤمن بها الناس ويسمونها دينا ..

تواطئوا على العمل في صمت ودون إعلام .. والمحزن أنهم ينجحون كثيرا ..

إن هذا الاعتراف يضع العلماء أمام مسئوليتهم .. كما أنه يسلبهم الحجة المريضة غير الواقعية التي منعتهم من الحكم على العملاء والمرتدين والجواسيس ..

تلك هي نقطة البداية ولا بداية سواها ..

كل أنظمة الحكم في عالمنا العربي وضعت لها برامج حكمها في كواليس مخابرات الغرب ..

كلها بلا استثناء ..

وكل الحكام موظفون كعملاء للغرب ضد أممهم .. و أنا لا أتكلم عن جيل بل عن أجيال .. ولا عن عقد بل عن قرنين على الأقل تعلم الغرب فيها كيف يروض حكامنا كما يروض حيوانات السيرك ..

وكانت النتيجة مبهرة .. فهاهم أولئك حكام لا يقلون عن حيوانات السيرك طاعة وخضوعا ..

وقد كان هناك من يعترض أحيانا .. وكان يتم التنكيل به قبل قتله كي يكون عبرة ..

إنني أنبه القراء أنني لا أقصد السباب .. كما لا أقصد تفريغ شحنة غضب .. و إنما أوصف واقعا .. كمن يدرس التشريح كي يعمل بعد ذلك طبيبا جراحا .. أوصف الواقع لنحدد العلاج .. ولا نتطرق الآن بالتفصيل للأسباب لكننا بإجمال نقول أنها فقدان مرجعية الإسلام ومنهجه .. هذا هو القاسم المشترك الأعظم يضاف إليه أو لا يضاف أسباب أخري كالجهل أو الغفلة أو عدم الفهم أو الخيانة أو المال أو الخوف أو خسة الطبع أو شهوة الملك ..

المهم الذي لن أمل من تكراره والتركيز عليه أنه منذ مائة عام على الأقل لم يوجد حاكم عربي واحد خارج نطاق السيطرة مهما بلغ الأمر أحيانا غير ذلك ..

ولعل الاكتشافات المخابراتية الأخيرة من أن المخابرات الأمريكية كانت تنفق على المؤتمرات الشيوعية تلقي الضوء على جزء من الصورة.

مثل هؤلاء الحكام وضعوا الأمة في الوضع الرهيب الذي تجد نفسها فيه الآن .. حيث العنق على المقصلة .. وحيث المصائب خنجر مغروس في القلب إن نزعته جرح و إن دفعته جرح .. إن حركته في أي اتجاه جرح ..

ولقد كشفتهم أنت يا شيخي ..

كان يمكن للوقت أن يمر حتى تهوي المقصلة وينتهي الأمر ..

لكنك كشفتهم ..

وهاهم أولئك ينضمون إلى أعداء الله عليك ..

سيوفهم وقلوبهم عليك ..

وقد سلطوا وسائل إعلامهم عليك في محاولة لطمس بريق الهالة النورانية التي تحيط بك والتي جمعت على حبك أكثر من مليار مسلم .. وسائل الإعلام تلك راحت تلومك يا شيخي وتدينك مُعْزٍيةً كل ما تفعله أمريكا إلى غزوتك لهم في الحادي عشر من سبتمبر عام واحد وألفين .. وليس ذلك أول إفكهم .. بل إنهم منذ قرنين على الأقل لا يكفون عن العواء:

لو لم تفعلوا كذا لما حدث كذا وكذا ..

وكأن إجرام الغرب كله بصهيونيته وصليبيته واستعماره قد اقتصر على رد الفعل .. وكنا نحن دائما السبب في كل ما حدث لنا ..

وليس سوى الكفر أو الخيانة أو الجهل ما يفسر ذلك التجاهل للمخطط الشيطاني الذي لم يكف أعداء الله على تدبيره والمضي فيه بغض النظر عن أي مواقف من المسلمين .. اللم إلا اصطناع أو اقتناص مواقف كذرائع .. وسواء حدثت أم لم تحدث فلم يكن ذلك سيغير من مخطط الغرب شيئا .. ولو نفذنا كل ما يطلبه الغرب منا لما اختلف الأمر .. لقد أطعناه - أو على الأحرى أطاعه ولي أمر كافر خائن عميل جاسوس هو كمال أتاتورك- .. فقضى على الخلافة .... فهل اختلف الأمر .. هل أوفوا بوعودهم له .. أو للشريف حسين - وما هو بشريف ولا هو بحسين - بشأن الدولة العربية؟ .. أم ابتلعت بريطانيا وفرنسا كل وعودهما وفرضا اتفاقية سايكس بيكو .. ورضخنا للأمر الواقع فهل اكتفوا بتنكيلهم بنا أم اختلف الأمر .. ولو ظللنا ألف عام نطيعهم وننفذ كل أوامرهم فهل يتوقفون عن التنكيل بنا؟؟ وهل يحدث إلا أن نزداد تفتتا وفقرا وضعفا .. وابتعادا عن الإسلام ..

وذلك هو المخطط الحقيقي للغرب ..

أن نزداد ضعفا وتفتتا وفرقة ..

أن تتفتت الأمة إلى قوميات ثم تتفتت القوميات إلى دول ثم تتفتت الدول إلى طوائف ثم تتفتت الطوائف إلى قبائل ..

قوميونا المغفلون الحمقى تجاهلوا أن الدعوة إلى القومية دعوة صليبية صهيونية .. وقد عجزوا عن فهم أن الدعوة القومية كانت دعوة تجمّع اليهود وتلمّهم من أصقاع الأرض ليكونوا أمة واحدة .. ولكنها كانت في نفس الوقت تشتت المسلمين وتقضى على دولتهم وتضعف أمتهم .. نعم .. ما كان يجمع اليهود ويصلح لهم كان يفرق المسلمين ويقضي عليهم لكن القرد القومي المولع بالتقليد لم يفطن لذلك ..

هل تسمح لي يا شيخي أن أحكي لك حكاية من تراثنا عن ذلك .. إذ يُروى أن حمارا كان صاحبه يثقله كل يوم بحمل من الملح يحمله على ظهره لينقله من مكان إلى آخر .. و أنه في خلال ذلك يمر بجدول ماء .. كان الحمل ثقيلا على الحمار ولم يكن يملك أي حيلة في الخلاص منه .. وظل الأمر يسير على هذا المنوال حتى تعثر الحمار ذات يوم وهو يعبر الجدول .. فلما انغمس حمله في الماء ذاب معظم الملح وخف الحمل .. وفهمها الحمار فراح يتعمد أن يتعثر كل يوم عند مروره بالجدول .. و أدرك صاحبه سر ما يفعل فأراد أن يعطيه درسا لا ينساه أبدا .. فحمله في اليوم التالي حملا من الصوف بنفس وزن الملح ..

وللقارئ أن يتصور ماذا حدث بعد أن تشرب الصوف الماء ..

بالنسبة لليهود كانت القومية ماء مذيبا للملح: أذابت العقبات ..

أما حمير القومية فقد رزحوا تحت ثقل الصوف حتى هلكوا أو كادوا ..

وحتى الآن .. فهم لا يفهمون أن الدعوة القومية كانت تنشئ دولة اليهود إنشاء وتقضي على دولة المسلمين قضاء مبرما .. !!

(انظروا إلى انفجار دعوات قوميات الأكراد والبربر والجنوب السوداني كمجرد أمثلة على ما جره الفكر القومي علينا) ..

يقول المرجفون أن الشيخ أسامة فجّر الوضع .. وينكر المنافقون أنه بتفجير الوضع قد حمي الأمة من قتلها خنقا ونبهها لكي تقاوم ..

ولم يتطرق من المرجفين مرجف ولا من المنافقين منافق كي يسأل نفسه: أين تدور الحرب: في بلادنا أم في بلادهم .. ؟؟ .. فلما نال منهم البطل المغوار أسامة بن لادن والذين معه مرة واحدة بعد مائتي عام ينشرون فيها في بلادنا الخراب انبري أولئك المرجفون والمنافقون يدينون أسامة بن لادن ويتهمونه:

لو لم يفعل لما فعلوا ..

يالها من خيانة ومن خسة .. نعم .. خيانة وخسة ..

خيانة تعمي عما يحدث منذ مائتي عام وتتعامى عن تفاصيله و أسبابه ..

خيانة تتعامى عن تدهور قوي الأمة وازدياد تفتتها منذ مائتي عام حتى اليوم .. ولولا أن تتدراكنا رحمة ربنا فنحن إلى التلاشي والفناء أقرب ..

كما لو أننا كنا على وشك اكتشاف أسرار الذرة والتسلح بالقنبلة النووية والنهوض من كبوتنا لمواجهة أعدائنا فجاء أسامة بن لادن ليجهض هذا كله في اللحظة الأخيرة قبل اكتماله ..

المرجفون والمنافقون يتكلمون كما لو أن هذا هو الذي حدث ..

ويتعامون عن أن حالنا اليوم أسوأ من حالنا منذ عام .. وحالنا منذ عام كان أسوأ من حالنا منذ عشرة أعوام .. وحالنا منذ عشرة أعوام كان أسوأ من حالنا منذ خمسين عاما .. ومنذ خمسين عاما أسوأ من مائة عام .. وهكذا .. نعم .. الحال يسوء والحصار يضيق والاختيارات المتاحة تقل .. والقدرة على الفعل تكاد تنعدم .. وهذا وحده دليل على دور مدمر بالغ الخطورة للحكام في انهيارنا .. دور الخائن والعميل والجاسوس .. فأولئك الذين خدعونا العمر كله بأنهم يستعدون للمعركة .. كلما طالت فترة استعدادهم كلما ازددنا ضعفا و ازدادت هزائمنا وتدهور حالنا ... ولم يكن هذا سوء حظ ولا سوء طالع ولا مفاجأة غير سارة و إنما كان معظمهم على وعي كامل بما يفعل .. وعلى إدراك كامل لدوره .. دور العميل والجاسوس .. وكانت المقايضة بسيطة جدا .. لك الحكم مقابل القضاء على روح الأمة وتشويه دينا ..

في مصر والعراق وسوريا وتركيا والمغرب وتونس والجزيرة و .. و .. و .. كانت المعادلة دائما واحدة ..

نعم .. آن الأوان لنعترف .. ما من نظام حكم عربي و إسلامي أيضا إلا وكان عميلا لأعداء الله و أعداء الأمة ..

مهما اختلفت التفاصيل وردود الأفعال ..

جمال عبد الناصر مثلا .. بدأ معهم بالاتفاق على: إطلاق يده في الحكم مقابل القضاء على صحوة الإسلام وسحق الإخوان المسلمين .. وظن أن هذا الثمن سيكفيهم .. و أنه قد دفع واستلم وانتهت الصفقة .. لم يدرك أنه لابد أن يدفع كل حين و آخر .. ظن أنه ند .. وأرادوا معاملته كعميل فلما رفض كسروه .. وحطموه ..

الملك حسين .. جميعكم تعرفون القصة ..

في الجزيرة العربية .. استُعمل نظام الحكم لخداع العالم الإسلامي بوجود دولة تمثل الإسلام والمسلمين ..

كان الأمر مجرد خداع ..

والمطلوب اليوم من الملك عبد الله (أمير أو ملك .. لا يهم) لكي يستمر في الحكم أن يفعل ما فعله جمال عبد الناصر في مصر عام 1954 .. الإسلام مقابل الحكم .. القضاء على رموز الصحوة وسحق المجاهدين مقابل الإبقاء على الملك وعدم سحق الأسرة الحاكمة .. القضاء على العلماء مقابل عدم فضح الموبقات التي يقترفها أعضاء الأسرة الحاكمة ..

المطلوب منه أن يقدم المجاهدين كقرابين بشرية إلى الصنم الأمريكي .. تماما كما قدم جمال عبد الناصر الإخوان المسلمين قرابين بشرية كي يرضى الغرب عنه .. (دعكم مما تقوله الإذاعات وتنشره الصحف وما تروجه الفضائيات في عالم جل عملته الكذب .. ) ..

الفاجع حتى الموت أن استجابة علماء الجزيرة أشد سوءا بما لا يقاس من استجابة العلماء في مصر ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت