الحديث عن عبد الرحمن بن منصور جبارة يُثيرُ كوامنَ الوجدَ، ويبعثُ خفيَّ الشوقِ، ويُلهبُ نارَ الأسى والألم ..
بماذا أبدأ مقالي؟ وبماذا أسطر مدادي عن رجلٍ: هذب الدين شبابه .. ومضى يزجي إلى العلياء في عزم ركابه؟ ماذا أكتبُ عن رجلٍ عَشِقَ الباقية، وركل هذه الفانية وزخرفها، وقد أتت إليه تختال في أبهى جمالها وأبهج مظاهرها ..
عشقتَ شهادةً فنسيت دنيًا ... طلبتَ الخلد فالدنيا حطامُ
فيا رباه بَلِّغهُ جنانًا ... بها الشهداء أحياءً أقاموا
مضى عندما وَمَضَتْ سيوف الجهاد في أرض القوقاز إلى مصانع الرجال، رحل إلى مواطن الأبطال في أرض أفغانستان المباركة، خرج من كندا وفيها نشأ وتعلم، وقد كان يدرس الهندسة - على أغلب ظني - وكان في الجامعة نموذجًا للشاب المسلم، تمسكا وأخلاقًا عقيدةً ومنهاجًا .. وكان من بركات وجوده في تلك الجامعة هو وأخوه أن طلبا من إدارة الجامعة تخصيص مكانٍ للصلاة وإقامة الجمعة فيها، فكان لهم ما أرادوا. فكم لك من الأجر يا أبا طلحة على إحياء سنة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه ..
ملك عليه حبُّ الجهاد قلبه وظهر على سلوكه، وصدقته أفعاله نصرًا لدينِ الله بنفسه وماله، كان يجمعُ التبرعاتِ للمجاهدين قبل خروجه للجهاد وبعده حتى ولو كان مطاردًا فرحمك الله يا أبا طلحة، ورفع درجتك في عليين وألحقنا بك غير خزايا ولا مفتونين ..
مكث يُعدُّ في أفغانستان ما يقارب السنة ثم رجع لأداء فريضة الحج ثم عاد مرةً أخرى إلى أفغانستان، فهو لم يستطع أن يعيش عيشة الذل الذي ارتضاه فئامٌ من الناس، رجع إلى أرضه التي هاجر إليها، ولم يخرج منها فيما بعد إلا بسبب إصابة أحد الأخوة، وكان الأخ قد أصيب إصابة بالغةً لا يستطيع معها الحركة بسهولة .. شفاه الله وفك أسره ..
ثم وصل البطل إلى جزيرة الإسلامِ عرينِ الأسود في شهر ربيع الأول من عام 1423هـ الموافق لمايو 2002؛ ليُتمَّ مواصلة الجهاد، وليُرغِمَ أنوف أعداء الأمة، ومبدلي الملة ..
أُوكلَ إليه مكتب الوثائق، فقام على المكتب خير قيام: إتقانٌ في العمل وجدٌّ واجتهاد، همةٌ واهتمام، عزمٌ وحزم، يتمثل حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه)
كان خفيف الظل، يرسم البسمة على شفاه إخوانه ..
طويل القامة، عالي الهمة .. مرتفع الهامة، وضّاء الجبين ..
مشرق القسمات، طاهر الأردان .. سهل العريكة، ليّن الجانب .. تزيّنه ابتسامة لا تفارق محيّاه ..
لا يبخل على إخوانه بماله وعلمه، وكل ذلك في تواضع جم، وخُلُقٍ رفيع، وطالما ردد علينا بين الفينة والأخرى دعاءً كان يدعو به (اللهم استعملنا في طاعتك) ، ونحسبه والله حسيبه ولا نزكيه على الله أنه ممن استعملهم الله في الجهاد، عليه شَبَّ وفي طريقة استشهد، أسكنه الله فسيح جناته ..
وكان من أعماله الجليلة بعد أن أُسِرَ أحد إخوتنا الأبطال في جزيرة العرب - وقد كان هذا الأخ يقوم على كفالة أُسَرِ المجاهدين - فبعد أن أُسِرَ الأخ انقطعت الصلة بهذه الأُسر، ولكن بفضل الله ثم بجهود هذا الأخ المبارك"عبد الرحمن جبارة"وَجَدَتْ هذه الكفالات طريقها للأسر ..