فهرس الكتاب

الصفحة 304 من 1099

أبو عبيدة عمّي عُمَار

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، وصل اللّهمّ على محمد وآله وصحبه وسلّم.

قال الله تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} .

كم يعجز القلم أن يسطِّر كلمات لتخليد ذكرى رجال أطهار، ومجاهدين أخيار إفتقدناهم على حين غرّة.

أبطال أخفياء تركوا بصمات نيّرة وآثارًا عطرة تشهد لهم أنّهم أقدموا حيث أحجم النّاس ... وصبروا والموت يرقص لهم في كل منعطف ... وثبتوا رغم استعار أتون المحنة واشتداد عواصف الإبتلاء.

من هذا العِقْدِ الفريد ... ومن تلك القافلة الراحلة نتناول في هذا المقال أحد الفرسان الذين فُجعنا بهم في الأيّام الأخيرة وافتقده المجاهدون ... لا لأنّه قائد بارز من قادتهم ... بل لأنّه شيخ مسنٌ أحبّه كل من عرفه وأثنى عليه كل من خالطه ... ألا وهو الشيخ الشهيد: أبو عبيدة عمّي عُمَار.

أبو عبيدة هو من الشيوخ المسنّين الذين لم يستهوِهِمْ سيل الأعذار التي تعلّق بها المخلّفون من الأعراب ... كان بإمكانه أن يكذب على نفسه ويُقنعها بأنّ الرأس اشتعل شيبًا وأنّ الشباب قد وَلَّى وأن الجسم قد هَرِمَ ونخرته الأورام ... ولكنّه سمع قوله تعالى: {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} ، فما تردّد ولا تلعثم ... وما جادل ولا جمجم.

كان رحمه الله من القلّة النادرة من الأبطال الذين جمعوا بين شرفين: شرف الجهاد ضدّ الفرنسيّين أيّام الإحتلال الفرنسي للجزائر ... وشرف جهاد أحفادهم من المرتدِّين ممّن يسمّونهم تدليسا وكذبًا"حكّام الجزائر"...

بدأ مسيرته الجهادية منذ ريعان شبابه، إبّان الثورة الجزائرية، حيث التحق بصفوف جيش التحرير وكان يومها جنديّا في كتائب البطل الشهيد الشهير"سي لخضر"رحمه الله، الذي أذاق الفرنسيين الويلات وكبّدهم خسائر جسيمة ... وقد شارك عمّي عمّار بنفسه في أحد الغزوات التي نفّذها"سي لخضر"لقافلة من الجيش الفرنسي في جبل بوزقزة، حيث كبّدوا العلوج خسائر في الأرواح والعتاد وغنموا أسلحة كثيرة وذخائر.

لم تدم فرحة الجزائرييّن كثيرا بالإستقلال الموهوم المزعوم حتّى أعاد التاريخ نفسه وانطلق الجهاد في الجزائر لإخراج أبناء فرنسا ... لم يتردّد عمي عمّار كثيرا والتحق بالمجاهدين عن عمر يناهز 57 سنة ... خرج من بيته مهاجرا في سبيل الله ... وطلّق الدنيا ... وترك أهله وأبناءه ليقاتل أعداء الله من أبناء فرنسا وينصر دين الله الذي استباحوه ... وكيف لا يقاتلهم وهو يرى بأمّ عينيه مبادىء أوّل نوفمبر وقد بُدِّلت ... وسِجِلّ الخيانة يزداد يوما بعد يوم ... وفرنسا التي قاتلها من قبل هو وإخوانه هاهي تخرج من الباب وتُدخِلُ من النافذة أبناءها وأولياءها ليكرِّسوا الإحتلال الجديد.

وقد هال عمّي عمّار أن يُحَارَبَ المسلمون في بلادهم لأجل"لاإله إلاّ الله"... وهاله ما رأى من قتل وتشريد وسجن للمسلمين فقرّر أن يعيد حمل السلاح من جديد لأنّ الإستقلال الموهوم هو أُكذوبة وزيف ما لبث أن انكشفت بشاعته.

إختار هذا الطريق وهو طريق العزّة والكرامة ... طريق الرجال والشهداء الذين سقوا هذه الأرض بدمائهم وهو يعلم أنّه ليس مفروشا بالورود ... وأنّ فيه المصاعب والمتاعب ... ورغم كبر سنّه وضعفه إلاّ أنّه ابتغى ما عند الله طلبا لإحدى الحسنين ... النصر أو الشهادة.

لم يكتف عمّي عمّار بجهاده بنفسه، بل كان من صدقه وحبّه للجهاد أن حرّض ابنه الصغير وألحقه بالجهاد، فكان إبنه الشاب"عبيدة"رفيقا له في درب العزّة إلى أن سقط شهيدا وأبتلي عمي عمار بفقده صائفة 2004م وقال يومها: (الحمد لله أنه قُتل في سبيل الله ولم يرتدّ عن دينه) ، وصبر واحتسب.

لم يترك الطواغيت عائلة عمّي عمّار وشأنهم طوال سنين جهاده؛ بل أُوذِيَ أهله وأبناؤه من طرفهم أشدّ الإيذاء ... خاصة من طرف"الحرس البلدي"... فحاصروهم وقطعوا عنهم لقمة العيش وتحرّشوا بهم ... وكان عمّي عمّار كلّما بلغته تلك الأخبار المؤلمة يشكو بثّه وحزنه إلى الله ويقول: (حسبنا الله ونعم الوكيل) ، وكان يدعو على أولئك الطواغيت بالهزيمة والعذاب ... واستجاب له ربّه فذاق كثير منهم العذاب بأيدي المجاهدين وقتلوا.

من الصفات البارزة التي اتسم بها أبو عبيدة؛ حبّه للقتال وتحريضه المستمر للمجاهدين في المراكز ... وكان يحرص عل المشاركة في القتال في الصفوف الأولى ... وأشهد له يوما في أحد الغزوات أنّه بعد أن كلّفه القائد العسكري بأن يبقى مع زمرة الإسناد لسد أحد الطرق التي قد يتدخّل منها العدو راجعه عمي عمّار وقال له: (لِمَ لم تضعني في زمرة الإقتحام؟!) ، فبيّن له القائد أن هذا العمل استثنائي ويتطلّب السرعة والخفّة الفائقة وأنت شيخ كبير، فأقنعه بصعوبة.

وممّا تميّز به فقيدنا أيضا حرصه على اتباع السنّة وطلب العلم وكانت همّته في ذلك همّة الشباب ... وقد عودي على لحيته يوم كان في بيته من طرف كثير من الناس فصبر على ذلك حتى التحق بالجهاد فأرخى لحيته وخضّبها بالحِنَّاء وبقي بها إلى أن وافته المنيّة.

وقد عُرف عن عمّي عمّار أيضا إتقانه لطبِّ الأعشاب فكان ذو علم وخبرة بهذا الفن وكان يوصي المجاهدين بتعلّمه خاصّة في حرب عصابات الجبال، وقد شُفي على يديه كثير من الناس والمجاهدين، وقد جمع رسالة في هذا الفن وسمّاها"إرشاد الشباب إلى طِبِّ الأعشاب".

واليوم وبعد عشر سنين طِوالٍ بحُلوها ومُرِّها ... وأفراحها وأتراحها ... عاشها عمّي عمّار ما بين كرٍ وفرٍ ومطاردة مُستمرّة من طواغيت الرِدّة ... ظلّ طيلتها في جهاد مستمر متنقلا بين معسكرات المجاهدين ناصحا ومربيّا لهم ومحرِّضا إيّاهم ... ها هو اليوم وبعد تلك المسيرة الطويلة من العطاء والجهاد يترجّل الفارس المُسِنُّ عن عمر يناهز 70 سنة ... ها هو يلقى المنيّة بين إخوانه من المجاهدين على قمّة من قمم جبال الجزائر الأبيّة.

ثبتّ رحمه الله على طريق الجهاد ولم يأبه بدعاوى السِلْم الرنّانة وأصوات المصالحة الخادعة وهي تسحر عيون الغافلين ويتساقط على جنباتها المنهزمون ...

كان من آخر كلماته رحمه الله كلمة بسيطة مصوّرة وجّهها للأمّة، فكان ممّا قاله فيها: (الجهاد أيّها الناس لا يستلزم الموت ... فكثير هم الذين يتهرّبون من الجهاد ثم يلقون حتفهم في حوادث المرور أو بالأمراض والأوبئة أو بالزلازل وماشابه ذلك) .

وقال أيضا: (أدعوكم أيّها الناس للجهاد، وأن لا تكتفوا بذلك فقط بل تدفعوا أبناءكم للجهاد أيضا) .

ظلّت تلك الصورة وتلك الكلمات تؤرّقني يوم بلغني نبأ استشهاده لأننّي أحسست فيها الصدق الذي افتقدناه في زمن تراكمت فيه أكداس النفاق ... بِتُّ متقلِبًا تلك الليلة تتراءى في مخيِّلتي صورة عمي عُمار أقول في نفسي؛ تُرى لو جزء قليل من الأمّة عمل بنصيحة عمّي عُمار ودفعوا بأبنائهم للجهاد ولم يمنعوهم من ذلك الواجب هل بقينا إلى يومنا هذا نتجرّع الغصص وتدوسنا حُثالات من البشر ويستبيحنا علجٌ ولكع بن لكع ... ولكن وا أسفاه ... قليل مثلك يا عمي عُمار من يجاهد بنفسه ويدفع بفلذة كبده إلى المعركة لتستطيب الأجيال من بعدكما عبير العزّة ... وتستنشق نسائم الحريّة ... وتستورف ظلال الخلافة الراشدة.

فرحمك الله يا عمّي عُمار رحمة واسعة ...

قلائل مثلك من بقوا على العهد ولم يبيعوا دماء مليون ونصف المليون شهيد بمتاع من الدنيا قليل ...

قلائل من هم في مثل سنّك من تركوا الدنيا ومتاعها وهاجروا ليجاهدوا في سبيل الله ويُعلوا كلمة الله والنبي ّ صلى الله عليه وسلم يقول: (من فصل في سبيل الله فمات أو قتل فهو شهيد أو وقصه فرسه أو بعيره أو لدغته هامة أو مات على فراشه بأي حتف شاء الله فإنه شهيد وأن له الجنة) [رواه أبوداود] .

شيخ مُسِنٌّ مثلك يا عمي عُمار حُجَّةٌ في هذا الزمان على هؤلاء الشباب الذين لم يكلِّفوا أنفسهم عناء النفير لنصرة الدين ... ونصرة إخوانهم المسلمين من المستضعفين ... والإسلام يستصرخهم ... وإخوانهم يستنصرونهم ... وهم غارقون في الشهوات أو متعلِّلون بالشُبهات ... والأمّة تُنحر وتذبح ... والحرمات تنتهك ... والأعداء يعربدون ... والله المستعان.

وعلى مثلك يا عمي عمار فلْيَبْكِ المجاهدون ... فقد كنت لهم كالأب لأبنائه ... فلن ينسوك أبدا ... ولن ينسوا تحريضك ونصحك لهم ... حتى مُزاحك لهم لن ينسوه لأنّ منزلتك في قلوبهم عالية علوّ الجبال ... وستبقى ذكراك بينهم خالدة كطيف يسري بينهم يذكِّرهم:

الثبات ... التضحية ... الصبر ... الصدق ... الشجاعة ...

وستبقى أيضا جبال"بوزقزة"و"خميس الخشنة"و"تابلاط"التي اغبرّتا بها قدماك عشر سنوات تحِنُّ إليك وتشهد عليك إلى يوم القيامة.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمْ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سأل الله الشهادة بصدق بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت