لقد احتاج فقهاء المراجعات في مصر إلى عشرين عاما من غسيل المخ قبل انهيارهم لكن بعض علمائنا في الجزيرة لم يحتمل سوى عام أو بضعة من عام كي يكتمل انهيارهم ..
ثم أن هناك فئات في مصر، معظمها من الإخوان المسلمين ظلت تتعرض للتنكيل منذ أكثر من نصف قرن .. حكم على بعضهم بالإعدام .. وقضى عدد كبير منهم في السجون أكثر من عشرين عاما وتعرضوا لتعذيب لا يوصف ومع ذلك صبروا وصابروا وثبتوا على الحق .. أعترف بأن البعض منهم قد انهار والبعض انسحب والبعض تغير (إزاء ضراوة التعذيب كفر البعض و أعلن كفره فترك الصلاة وأفطر في رمضان وتحول إلى شاذ يأتيه الجنائيون في السجن .. على رأس هؤلاء الجاسوس الذي خان الشهيد سيد قطب واتفق مع أجهزة الأمن أن يقول كل ما يملى عليه كي يخففوا عنه العذاب .. وبعضهم طلب رسميا أن يتنصر كي يفلت من التعذيب) لكن الكتلة الرئيسية برغم ذلك ثبتت وصبرت وصابرت ..
لماذا لم يكن بعض علمائنا في الجزيرة رجالا ولماذا لم يثبتوا ..
هل سينقذهم ذلك؟
فليقرءوا التاريخ ..
ولينظروا إلى مصير العلماء الذين خانوا الله في مطلع ثورة يوليو .. فقد خسروا الدنيا و أظنهم خسروا الآخرة ..
لا يكف المرجفون والمنافقون عن نشر سمومهم بعد أن اكتشفوا تراجع العلماء ..
أتذكر غزوة أحد عندما أمّر سيدي ومولاي رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد اللّه بن جبير بن النعمان الأوسي البدري. وكان الرماة خمسين رجلا فأقامهم النبي صلى الله عليه وسلم على جبل وقال لهم احموا ظهورنا حتى لا يأتونا من خلفنا وارشقوهم بالنبل فإن الخيل لا تقدم على النبل وأمرهم أن لا يبرحوا مكانهم، ولما انشغل المسلمون بالغنائم استقبلهم العدو بالسهام فعادوا منهزمين لا يلوى أحد على أحد وانكشفت خيل بني سليم مولية وكانت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه فتبعهم أهل مكة والناس فانهزموا.
أقرأ لكنني أبدل الكلمات فأضع العلماء - خاصة فقهاء المراجعات - مكان الرماة فيستقيم المعني ..
ولست أعني بأي شكل من الأشكال مقارنة الفقهاء الخاطئين بالصحابة الكرام رضوان الله عليهم حتى لو كانوا خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم .. لكنني أريد أن أقول أننا هزمنا حين هزمنا بسبب مواقف علمائنا .. علمائنا الذين انسحبوا في الوقت الخطر فكشفونا أمام الأعداء وعملاء الأعداء ..
لولا انسحاب علمائنا ما كان لحكامنا أن يخونوا ولا لنخبة كتابنا أن يمارسوا الكفر والقيادة في نفس الوقت ..
نعم .. لا يكف المرجفون والمنافقون عن نشر سمومهم بعد أن اكتشفوا تراجع العلماء ..
"لو لم يفعل لما فعلوا"..
مع أنك لو قلت هذا لواحد من القوميين الخادعين أو المخدوعين عن تأميم القناة سنة 1956 و أنه لو لم يؤممها عبد الناصر لما نشبت معركة 1956 والتي كانت هزيمتنا العسكرية فيها هي أساس الهزيمة الساحقة عام 1967 .. تلك الهزيمة التي وصفها المحللون العسكريون والسياسيون حينها أنها ستظل مهيمنة لمدة قرن على الأقل .. وقد صدقوا .. بل ليتهم يصدقون فيقتصر الأمر على قرن واحد ..
أشعر بإهانة ذابحة كلما تذكرت تهليلنا وهتافنا لخطتنا العبقرية الفذة في خداع طيران العدو حين أقمنا هياكل خشبية لطائراتنا وتركنا العدو الأثيم يتخيل أنه حطم سلاحنا الجوي كله بينما أنقذناه كله ..
كانت كذبة أخري من أكاذيب نظام انبنى كله على الكذب ..
كان سلاحنا الجوي كله قد تم تدميره على مدارج المطارات .. ذُبح كسرب من الأوز على سطح بحيرة ساكنة .. وكانت حكاية الهياكل الخشبية كذبة خسيسة فاجرة روجها نظام خسيس ولم يسوِّقها إلا لشعبه .. أما أغرب الغرائب .. (أو قل أنه مكر خير الماكرين) فهو أنهم صدقوا الكذبة التي أطلقوها .. ليقعوا في نفس الخطأ و لتتكرر المأساة الفاجعة المذلة المهينة بعد أحد عشر عاما .. ويُسحق سلاحنا الجوي كله على مدارجه ..
وكانت 56 قد تركت لنا لغما آخر لم نعرفه إلا عام 67 لأن معرفته كانت ستشككنا في ادعاء انتصارنا عام 56 .. كان هذا اللغم هو ترتيبات شرم الشيخ والتي كانت السبب الظاهري للحرب عام 67 .. و أقول السبب الظاهري .. لأنه بها أو بدونها كانت الحرب ستنشب .. و إن احتاجت إلى ذريعة أخرى ..
وكان لابد - في كل مرة - أن ننهزم ..
كان - وما يزال - وزراء دفاعنا يقودون الإعلام لتدمير وعي الأمة وكان وزراء إعلامنا يقودون الجيوش في المعارك فلا ينتصرون إلا في نشرات الأخبار وعلى صفحات الصحف ..
وكان لابد أن ننهزم ..
كانت معارك جيوشنا قد اقتصرت على هزيمة شعوبنا .. وأصبح الجيش هو الذي يخوض المعارك السياسية .. بينما كان المزورون المسطحون الجهلة الذين يمتهنون السياسة هم الذين يقودون المعارك العسكرية ..
وكان الفشل في الحالين مهينا ...
نعود إلى ما كنا فيه ..
لو أنك قلت لأي قومي مغفل:"كان تأميم القناة هو السبب في حرب 56".. لاتهمك على الفور بالجهل وقصور التفكير وعدم الإلمام بالتخطيط الاستراتيجي للعدو الغاصب ... و ... و ... و ... و ... وكل ما نقوله الآن عن 11 سبتمبر .. إلا أنه في حالتنا صدق كله لا يشوبه وهم ولا كذب ..
نعم .. عند الغرب خطة محددة .. كان سينفذها سواء حدثت أحداث 11 سبتمبر أم لم تحدث .. كان سينفذها بالحيلة والدهاء والتدريج لكي يصل إلى نفس الغاية .. أمة إسلامية مهزومة ممزقة ..
كان الغرب يذبح أمة نائمة لا تشعر ولا تري .. وجاء أسامة بن لادن رضي الله عنه ليجعلها تشعر وترى ..
ذلك هو المخطط الذي اكتشفه أسامة بن لادن - رضى الله عنه - بعبقرية فذة .. حين اكتشف أن المشكلة لم تكن أبدا أننا مارسنا الإرهاب ..
بل كانت المشكلة أننا لم نمارسه ولم نعدّ من القوة ما نرهب به أعداء الله وأعدائنا ..
لقد تحدثت عن مصطلح الإرهاب قبل أعوام .. وقلت أن الكلمة قد ترجمت خطأ .. و أن الترجمة الصحيحة لها هي:"الترويع".. لكن أعداء الله قد اختاروا هذه الترجمة كي تتصادم مع معنى في القرآن الكريم .. فالقرآن يأمرنا أن نرهب أعداء الله .. وبوش يأمرنا أن ننبذ القرآن ونطيعه ..
و أطاعوا بوش .. كل بوش .. ونبذوا القرآن وهجروه ..
نحن أمة مهزومة تفرقت شذر مذر خانها ملوكها ورؤساؤها و أمراؤها وانضم قوادها إلى الأعداء ضدها .. حتى استسلمت الأمة أو كادت إلا من فلول و جزر ما زالت تقاوم الغزو ..
فهل تعد مقاومة الغزو عنفا أو إرهابا؟! .. فماذا يسمى إذن ما يفعله الغازي ..
كنت سأفهم فقهاء المراجعات - و أولئك المتراجعون منذ البداية دون الحاجة لأي تراجع- لو أنهم قالوا أن إرهاب العدو فرض .. و أن العنف ضروري لكن بعد أن تكتمل شروطه .. لأنه إن لم تكتمل له شروطه قد يعود علينا بضرر أكبر من نفعه ..
كنت سأفهم ذلك و أقدره ..
لكن أن يدينوا العنف والإرهاب والجهاد والمجاهدين .. فليخزهم الله وليعاقبهم بعكس ما قصدوا إليه ليخسروا الدنيا والآخرة ..
إنهم يدينون مقاومة المغزو ولا يدينون عنف الغازي .. كما لا يبحثون في موقف الشرع منه ..
كما أن بعضهم - قبحهم الله - يتناول بالرأي جهاد شيخنا الجليل أسامة بن لادن ويحاول بالدين أن يدينه ..
منتهى الخسة والصفاقة .. ولا أقول الجهل .. بل أقول باعوا للشيطان أنفسهم ودينهم ..
منتهى الخسة والصفاقة أن ينقلبوا من تقييد المجاهدين وحصارهم إلى تقييد الفقه وحصاره ..
ومن البداية فإن أغلب الشيوخ والفقهاء- فقهاء الدين لا فقهاء السلطان- يؤيدون شيخنا الجليل أسامة بن لادن رضي الله عنه ..
وفي النهاية فإن ما يحدث الآن ليس له في تاريخ المسلمين ما يقاس عليه .. والفقه هنا اجتهاد .. والاجتهاد يحمل إمكانية الاختلاف في وجهات النظر والرؤى .. والقاعدة الفقهية تقول أنه لا خلاف فيما عليه اختلاف .. لكن فقهاء السلطان يملكون ثقة لا يملكها الشيطان ذاته .. ويملكون جرأة هائلة على الحق وعلى الله .. ليدينوا من أحسبه - ولا أزكيه على الله - خير أهل الأرض في زماننا ..
أنظر - بأسى لا حدود له - إلى ما حدث في مصر عام 54 .. فأراه يتكرر بحذافيره في الجزيرة العربية الآن ..
كان المسلمون بعد أدائهم البطولى في فلسطين عام 48 قد أعلنوا عن أنفسهم كأخطر قوة مقاومة للمشروع الغربي .. وقد تتسبب في فشله كله .. فهو برغم ضراوته فاشل لأنه ضد الجغرافيا والتاريخ وضد السنن الإلهية ..
هل لاحظتم يا قراء أن قرار حل جماعة الإخوان المسلمين كان عام 1948 .. عام النكبة .. وقد كشفت الوثائق المفرج عنها أخيرا أن هذا الحل كان طلبا غربيا ملحا ..
كانوا يشكلون رأس الحربة الموجهة إلى اليهود والصخرة الصلبة التي ترفض تجزئة مصر والسودان ..
لذلك ..
لذلك كان لابد من سحق الحركة الإسلامية في مصر .. وكان لابد أن تتجمع عليها كل قوى البغي في الداخل والخارج كي يسحقوها ويشوهوا صورتها ..
نفس هذا يحدث الآن في الجزيرة العربية ..
يحاول حكام الجزيرة تسويق الأمر إعلاميا على أن الشيوخ المنحرفين قد ضللوا شبابا بلا علم فعاث هذا الشباب في الأرض فسادا .. (هناك نقطة مهمة في السيناريو ناقصة .. ففي الحكاية المصرية كان الدافع وراء الإرهابيين المصريين هو ما يحصلون عليه من الرجعيين السعوديين من مال وذهب .. الآن لا مال ولا ذهب .. لكن الذي لا يقتنع بالسيناريو الذي تقدمه الحكومة سيسجن أو يقتل) .. لم يكن الأمر كذلك على الإطلاق .. ودعكم من حكايات الاعترافات السخيفة على شاشات التلفاز .. فقد حكيت لكم في حلقة ماضية عما كان يفعله المذيع القومي الشهير حمدي قنديل في السجن الحربي عام 65 .. كان يذهب للحصول على اعتراف من الإخوان تدينهم وتسئ إلى قيادتهم وتمتدح جمال عبد الناصر .. كان الضحية يجلد ويظل يجلد حتى يصرخ أنه سيقول كل ما يريدونه أن يقوله .. وكانوا عندئذ يذهبون به إلى الميكروفون فإذا به يرفض الحديث فيصرخ حمدي قنديل:"تعالوا شيلوا القرف ده"وهو يقصد أن يأتوا ليأخذوه ويواصلوا تعذيبه حتى يقول ما يريدون ..
هذا هو نوع الاعترافات الذي نشاهدها على شاشة التلفاز السعودي وهي لا تعني إلا وجود جهاز شرطة باطش جبار مجرم .. وجهازا قضائيا يباريه في كل ذلك ..
و أخشى أن يتجاوز الأمر حد البطش والجبروت والإجرام ..
فأجهزة التعذيب التي يستعملها هذا الجهاز مصنوعة في أمريكا ومستوردة منها .. وتدريب ضباط الشرطة على استعمالها تم في أمريكا .. و أجهزة التعذيب تلك ليست صماء .. إن التدريب عليها ليس كالتدريب على لعبة كرة القدم .. بل لابد أن يتضمن هذا التدريب ويشحن بالموقف الصليبي الصهيوني من الإسلام .. بل بالموقف التلمودي المجرم من اعتبار دم الأغيار وشرفهم و كل ما يملكون مباحا ..
إن أمريكا التي تصدر السلاح للسعودية تشترط بمنتهى الحسم والحزم ألا يستعمل ضد إسرائيل ..
ورغم أنها لم تنص على غير ذلك إلا أن ضوابط التحريم حددت مناطق الإباحة ..
فالسلاح المحرم استعماله ضد إسرائيل يمكن استعماله ضد العراق أو مصر أو اليمن ..
بل لا مجال آخر لاستعماله ..
وبهذا يكون هذا السلاح قد هزمنا مرتين .. مرة لأنه لم يستعمل حيث كان يجب أن يستعمل .. والأخرى لأنه استعمل حيث كان لا يجب أن يُستعمل أبدا ..
نفس الأمر ينطبق على أجهزة التعذيب ..
إن من صنع هذه الأجهزة ومن صدرها ومن استوردها ومن درب عليها ومن تدرب عليها كلهم جميعا حلقة شيطانية واحدة .. ولست أدري لماذا عجز الفقهاء عن مواجهة تلك البلوي .. لماذا لم يحكموا على كل من مارس التعذيب ضد مسلم لإخراجه من الملة بالمروق من الملة خروجا يوجب لامرأته الطلاق ويفرض على أبنائه الفراق ..
لماذا عجز الفقهاء ..
لماذا ..
لماذا وهم الذين لم يضنوا بالتكفير على المجاهدين ليشبهوهم بالخوارج فكانوا كجند يزيد بن معاوية لعن الله أولهما ورضي عن الثاني الذين قتلوا سبط الرسول صلى الله عليه وسلم وهم يرفعون آية من القرآن: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ... ) سورة المائدة. الآيتان: 33 - 34 ..
اللهم إن أشهد أن أبناءنا و إخوتنا من المجاهدين في الجزيرة على صواب ..
فإن كانوا قد أخطئوا فهم قوم طلبوا الحق فأخطئوه ..
واللهم إني أشهد أن السلطة قوم طلبوا الباطل فأصابوه ..
وأري في أعين المسئولين هناك أعين جمال عبد الناصر وجمال سالم وحمزة البسيوني ..
ولا تغرنكم مشاهد الاعترافات على شاشات التلفاز فإنني أؤكد لكم أن أي قارئ منكم يقع بين أيدي الزبانية أولئك سيعترف بعد ساعة أو بعض ساعة بكل ما يراد منه ..
في عالمنا العربي والإسلامي ليس الخلاف بين الحكومة والمعارضة .. ولا الأمر اجتهادات يؤجر فيها المصيب والمخطئ .. إنما الأمر فئة قليلة على الحق اكتشفت خيانة ولي الأمر وعمالته لأعداء الله والدين والوطن فتحاول بقواها المحدودة أن تقاوم .. والأمة المغيبة تخذلها كما أن التاريخ الفقهي لا يمدها بمصادر للقياس ..
نعود إلى أهلنا في الجزيرة ..
فالمجتمع في الجزيرة العربية يموج بصحوة غاضبة لأن الدولة تتجه للعلمانية يوما بعد يوم .. وتسلم مقاليد الإعلام للعلمانيين الذين يريدون هدم الإسلام ركنا ركنا .. الحكام نفسهم علمانيون براجماتيون و إن صلوا وصاموا وزعموا أنهم مسلمون .. بقية الأمة في الجزيرة كانت تستشعر الخطر .. فالإسلام مهدد و أعداؤه يكتسبون أرضا جديدة كل يوم .. وكانوا هم هناك على مقربة من مباذل الحكام ويدركون أكثر منا مدي ابتعادهم عن جوهر الإسلام و إن حافظوا على مظهره .. كان التوتر يتصاعد باستمرار .. وحدث الانشقاق العظيم عندما قامت الحكومات في الجزيرة العربية باستدعاء قوات كافرة والاستعانة بها على بلد مسلم ..
كان ذلك في عام 1990 ..
تبلورت الرؤى .. وتحددت المواقف .. وحدثت المفاصلة .. وانكشف دور الحكام ..
بعد أن خربت الغزوة الأمريكية عامي 90 - 91 بلادنا ومهدت مياديننا لمزيد من الغزو .. تم غزو العراق ..
وكان نكوص العرب جميعا وعلى رأسهم مصر والجزيرة العربية عن عون العراق طيلة فترة حصاره وصمة عار ظنها الأغبياء ثمن ثباتهم في كرسي الحكم ..
كان هذا الموقف المخزي استمرارا لموقفهم تجاه الفلسطينيين ..
وسيثبت التاريخ أن هذين الموقفين هما السبب في اكتمال الصحوة الإسلامية بعد أن اكتشفت الأمة مدى خيانة حكامها .. وهذه الصحوة هي التي ستقضي على كل رئيس خائن أو ملك عميل أو أمير ضليل ..
وتم غزو العراق ..
كانت الشعوب الخطرة في المنطقة قد تم ترويضها وترويعها وغسيل مخها: وأقصد شعوب مصر والشام وتركيا التي يمثل كمال أتاتورك فيها الأب الروحي لكل حكامنا .. و إيران التي يقوم فيها خاتمي بدور جورباتشوف .. لكن للقضاء على الإسلام ..
بقي جزء من شعب الجزيرة هو الذي لم يتلوث ولم يتشوه ..
وهذا الجزء كان بالغ الخطورة و أثبت كفاءة مذهلة في الشيشان والبوسنة كما كان قد أثبتها في أفغانستان قبل ذلك ..
وتماما تماما كما فعل الأمريكيون في كل مكان من نزع قوة خصمهم بالترويع قبل الهجوم للقضاء النهائي عليه (انظر على سبيل المثال العراق و أسلحة الدمار الشامل) .. كان لابد من القضاء على هذه النخبة من الشباب المؤمن وعلى قياداتهم من العلماء .. فأولئك هم الذين سيتصدون للغزوة الأمريكية للسعودية .. وهي غزوة آتية لا ريب فيها .. وأولئك هم الذين يمكن أن يتسببوا للقوات الأمريكية في خسائر فادحة .. لذلك فإن الأمثل هو توكيل حكام السعودية للقضاء عليهم ..
لم تكن أمريكا تريد التورط في ثأر مع هؤلاء .. وكانت في نفس الوقت تخشى من تدخلهم بالجهاد والعون في العراق ليكسروا هيبتها ويمرغوا كرامتها في الدماء والأشلاء كما فعل إخوة لهم بالروس في الشيشان ..
لم تكن تريد التورط ..
وكان البديل جاهزا ..
أن تقوم الحكومة السعودية نفسها بهذا الأمر ..
و أن يكون السيناريو تكرارا للسيناريو الذي اتبع في مصر عام 54 ..
بل بلغ الابتذال والتسفل أن اتهموا خيرة المجاهدين هؤلاء بأنهم يتآمرون لقتل المعتمرين والحجاج ..
منتهى الخسة ..
خسة تذكرنا بخسة العسكريين مع المسلمين في مصر ..
وكلتا الخستين صناعة أمريكية و أوكل التنفيذ للكومبارس ..
أحب أن أنبه القراء هنا أن الشباب المجاهد يكون شديد الحساسية والحذر من ارتكاب معصية أي معصية لأنه يدرك أنه قد يستشهد في أية لحظة .. وهو يتحرى أقصى درجات الدقة كي يعصم نفسه من كبيرة سفك دم لا يحل له سفكه ..
تصوروا يا قراء كيف يكون الواحد منكم حريصا على عدم الوقوع في الصغائر إذا ما شعر بدنو الأجل أو هاجس الموت ..
أنتم العاديون تشعرون بذلك ..
فكيف يشعرون هم ..
ولم تكن الحكومة السعودية تملك أن تعترف بالحقيقة أمام الناس .. لم تكن تستطيع الاعتراف بأنها تقتل خيرة أبنائها كي لا يذهبوا للجهاد في العراق ..
وكان لابد من سيناريو تمرس الغرب فيه طويلا وكان لابد من اتهامهم بالعنف والإرهاب ..
أما الاعترافات فما أيسر الحصول عليها من أجهزة همجية وحشية وبوليس هو من جند الشيطان وقضاة مثله و أجهزة تعذيب أمريكية وعقاقير تلغي إرادة الأسير وتشوش عقله .. ومن المؤكد أنهم سيجدون هناك"على عشماوي"أو يهوذا آخر يحصلون منه على ما يشاءون ..
وليست الاعترافات فقط هي ما يمكن الحصول عليه .. بل وتلفيق الأحداث أيضا .. والقيام بعمليات تنسب زورا للمجاهدين .. أو اختراقهم ومدهم بمعلومات خاطئة في الاتجاه الخطأ .. وتلك كلها وسائل بدائية في سلسلة جهنمية لا نرى منها إلا قمة جبل الثلج ..
نعم ..
لم يكن الأمر أمر إرهاب ولا عنف ولا مؤامرات لقتل المعتمرين والحجاج .. !! .. بل كان جهادا في سبيل الله .. وكان على السلطة التي تجاهد في سبيل بوش أن تمنعه .. !! وكان عليها أن تشوه أفضل بنيها قبل قتلهم حتى لا تنتفض الأمة غضبا من أجلهم ..
كان الشيطان الأمريكي يدرك أن الشباب العربي الذي أدي جهاده إلى انهيار الإمبراطورية السوفيتية ربما يقدر إن استطاع الوصول إلى العراق أن يهدم الإمبراطورية الأمريكية أيضا ..
بل إن الجهاد في العراق هو دفاع عن أرض الجزيرة العربية ومقدساتها ..
نعم ..
فالمقاومة في العراق لا تدافع عن حاضر الإسلام فقط .. بل عن بعض ماضيه وكل مستقبله .. جزى الله المجاهدين هناك خير الجزاء ..
ويا رب قوهم .. ومكنهم من قتل الأمريكيين أينما وجدوا .. لأن كل يوم يمر على العالم الإسلامي دون أمريكي يسقط قصاصا هو يوم حزين على العالم الإسلامي ..
يارب ..
ألهمهم الصبر والحق والقوة ..
وأحص الأمريكيين والصهاينة عددا ومزقهم بددا ..
كان الشيطان الأمريكي يخطط ويدبر .. ويزيد من ضغطه على الحكومة التي كانت تدرك هي الأخرى أنه لن يوقف ضغطه عليها إلا تقديم قربان إليه بقتل المجاهدين .. ولن يروي سعار عطشه إلا دماءهم ..
وكان القرار بتقديمهم قرابين بشرية إلى صنمهم في واشنطن ..
قرابين إلى وثن ..
نفس ما حدث في مصر .. وما تنبأ به الشهيد سيد قطب منذ خمسين عاما حين تحدث عن تخطيط أمريكا لشن الحرب على المسلمين, والاستعداد لغزونا, وذلك في فصل ختم به كتابه"السلام العالمي والإسلام"الذي أصدره في مطلع عام 1951.
تنبأ الشهيد سيد قطب بحدوث عدة حوادث خطيرة في منطقتنا وفي العالم, وقد وقعت تلك الأحداث التي تنبأ بوقوعها, ونحن في هذه الأيام كما ينقل لنا الدكتور صلاح الخالدي نعيشها بألم ومرارة, مما يدل على عمق نظرته, ودقة تحليله, وصدق فراسته و تحليله الصادق للعقلية الأمريكية العدوانية الباغية يدل على تمكن البغي والعدوان من كيان الأمريكان, وسيطرة شهوة الحرب عليهم, كما يدل على كذبهم في مزاعمهم من أنهم أرادوا إنهاء حكم صدام حسين في العراق لتهديده السلام العالمي, فها هم يخططون لحرب منطقتنا واستعمارها قبل قيام حكم صدام حسين, وها هو سيد قطب يبين المؤامرة الأمريكية على المنطقة قبل أكثر من خمسين عامًا!!!
كتب الشهيد أيضا منذ خمسين عاما عن الحرب الأمريكية المتوقعة ..
لقد تحدث سيد قطب قبل أكثر من خمسين عامًا عن الحرب الشاملة التي تخطط لها أمريكا، وتجعل منابع النفط وما حولها في بلاد المسلمين السابقة، في حربها الرابعة التي قطعت أشواطًا ومراحل منها، ولم يبق إلا قصف الطائرات وإطلاق الصواريخ، الذي قد يكون في أي لحظة!!
رأى الشهيد العظيم ذلك منذ خمسين عاما ورسم خطوط الحل .. ولم يكن سوي الرجوع إلى المرجعية الإسلامية والجهاد المتواصل تحت النار .. وكان واثقا من هزيمة الطاغوت الأكبر وانهياره أمام الإسلام ..
وكانت خطورة البطل المجاهد أسامة بن لادن أنه راح يحول الفكر إلى عمل .. والبرنامج إلى حدث ..
أوحشتني يا أسامة بن لادن .. يا أمة في رجل ويا رجلا بأمة ..
أوحشتني يا من رأى حين عمي الناس وسمع حين صموا ..
أوحشتني ذلك الاستيحاش الموجع الذي يجعلني أخاف عليك من الكتابة إليك .. فأقول لنفسي: لعل أحدا يلخص له أخبار العالم يخبره بمقالتي تلك في دقيقة أو بعض دقيقة تكفي لكي يحدد الشيطان موقعه ..
أخاف أن أطلب منك أي شيء ..
أخاف أن أقول لك كم أوحشتنا .. فقد يدفعك هذا إلى الخروج على مقتضيات أمنك .. يا أمل أمة ورمز دين وتاريخ ..
أخاف أن أشكو إليك فأحمّلك ما لا تطيق .. و أنت الذي أديت كل ما عليك .. بل أضعاف ما كان يجب أن تؤديه ..
أخاف أن أقول لك أن الأمة في حاجة لأن تفعل كذا فأثقل به عليك .. أو أؤثر به على قرار قد يكون الرأي الأول فيه هو الأصوب .. ولنفس السبب أخاف أن أقول لا تفعل كذا ..
ثم كيف لنا ونحن القواعد أن ننصح للمجاهدين الأبرار ..
أخاف عليك يا شيخي ويا حبيبي ..
لكنني أخبرك أنهم بكل إعلامهم الجبار وكذبهم الأشد جبروتا .. والشيطان ظهيرهم .. كل ذلك لم ينل من صورتك عند الأمة التي لو خيرت في أربعة أركان الأرض لاختارت أن تجاهد تحت رايتك ..
ولو حدث - بحق جلال الله - لانسحبت أمريكا فرارا ولولت رعبا .. ربما بدون قتال .. لأنها تعرف كيف يمكن للمسلم أن يقاتل حين يقاتل كمسلم ..
أخاف ..
أخاف أن أقول لك كم هو مؤلم أن يتحكم الكافر في المؤمن ..
وأخاف أن أقول لك أن من نكد الدنيا أن يكون حكامنا حكامنا ..