يديرون الحرب في أفغانستان، ومرت الأيام ثم التقيت به مرة أخرى بعد ما التحقت بخلايا المجاهدين في جزيرة العرب، ومكثت معه فترة أربعة أشهر أو ستة أشهر في منزل واحد.
كان له ورد يومي يقرأ عدة أجزاء من القرآن، وكان يقوم من الليل الساعتين والثلاث، وكان حريصًا على النوافل والطاعات، ويحرض إخوانه على الصيام والاستكثار من النوافل.
كان عندما يرى الشهداء الذين قتلوا يقول أرأيتم هؤلاء الأبطال قدموا أرواحهم لدين الله، فماذا قدمنا نحن للإسلام؟ وكان دائمًا ما يذكرنا بالجنة وبضرورة أن نخدم الدين ونرفع رايته.
ما زلت أعجب لدعاءٍ كان يدعو به كلما أمَّنا في الصلاة مذ سمعته منه، كان يقول:"اللهم اصرف عنا الحرس، وافتح لنا الأبواب، اللهم أنزلنا منزلًا مباركًا وأنت خير المنزلين، اللهم قوِّ تفجيرنا، اللهم ارفع بنا الإسلام، اللهم اضرب معنا وابطش معنا وارم معنا"، وقد رأيت بأم عيني أثر دعائه رحمه الله في نتائج عملية المحيا المباركة حيث كان التفجير وآثاره قوية جدًا ولا تقارن بقوة الحشوة التي كانت تحملها سيارتهم، وازداد يقيني بأن الاعتماد ليس على كثرة المتفجرات أو قوة السلاح، بل على الله عز وجل وحده.
ذكر لي رحمه الله مرة أنه عندما كان مسجونًا في سجن الرويس كان يصنع القهوة الجزائرية [الكحلة] لإخوانه الذين يقوم أذناب الطواغيت بتسهيرهم أيامًا عدة قد تصل إلى نصف الشهر أو أكثر ليساعدهم بذلك على الصمود بإذن الله، فسبحان الله ... برغم سجنهم والتضييق عليهم إلا أنه كانت بينهم أُخوة عجيبة إذا سمعت بعض قصصها تستغرب وتقول: هذه لا تحدث بين الإخوان من النسب، وهكذا أخوة شباب الجهاد دائمًا بفضل الله.
وكان ينكر رحمه الله على العساكر عملهم لدى الطواغيت، ويحاول أن يبصّرهم ويشرح لهم حتى ترك العمل منهم اثنان بفضل الله، فرحمه الله رحمة واسعة، هذا وصلى الله وسلم على محمد.
وقال الشهيد طلال عنبري رحمه الله: أعلم أنني مهما تكلمت عن أبي عبدالله المكي فلن أستطيع أن أوفيه حقه رحمه الله، أذكر أول مرة رأيته عند أحد الإخوة في جدة بعد ما خرج من السجن بيوم أو في نفس اليوم، لم أكن أعرفه وقتها ولكن الإخوة كانوا ينادونه بكنيته: أبو عبد الله المكي، وكان يوزع بعض الإصدارات الجهادية، وكان متحمسًا جدًا للعمل ويريد الخروج إلى أفغانستان في أقرب فرصة، ثم التقيت به بعد ذلك في أفغانستان.
سبحان الله من حين ترى هذا الرجل تحبه في الله، وترى محبة الناس له، وكل ما ذهبت لمكان ذكروه بالخير رحمه الله، وكان يكثر من قراءة القرآن، أحيانًا يكون مع الإخوة في مزح وضحك ثم يقوم فجأة ويذهب إلى الغرفة الأخرى، فأقول في نفسي: بدأ يغرّد!!
وكان فيه تلك السمة المميزة لكثير من الشهداء ألا وهي سلامة القلب، في قلبه طيبة وحسن ظن بالإخوة عجيب جدًا، نسأل الله أن يلحقنا بهم في جنات النعيم.
مرةً ونحن نتسامر كان يقص علي بعض القصص عن الشهداء، فقال لي: ذهب الشهداء، الله أعلم متى نذهب نحن؟ ثم تنهد ورأيت الدمع في عينه , حين تجالس هذا الرجل تشعر بأنه صادق في طلبه الشهادة، وأنه يريد أن يلقى الله عز وجل، أسأل الله أن يرحمه وأن يلحقنا به غير خزايا ولا مفتونين.