فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 1099

ما أعظمها من كلمات، تتدفق إلى قلوب البريّات، فتقتحمها دون استئذان، لتكون لهم خير بيان .. نعم؛ بيان الفرق المبين، بين علماء الحق وعلماء السلاطين؛ ففي حين يدعو مشايخنا للجهاد، ويُخرجون أبنائهم وفلذات الأكباد، نرى مشايخ السوء يدعون للجهاد على استحياء، حين يعطيهم الطواغيت الضوء الأخضر ويأذن الأمراء! ولكن إن أحس أحدهم بشغف أحد أبنائه لذلك، سارع لصده والحيلولة دون ذلك!

فقد جاء في جريدة الوطن -والعهدة على الراوي- ما يلي:"استنجد الداعية الشيخ سلمان بن فهد العودة بالسلطات السعودية أول من أمس طالبا البحث معه عن ابنه معاذ الذي خلف رسالة يفيد فيها بنيته التوجه للعراق للمشاركة في الجهاد. وأمام ذلك تحركت الأجهزة الأمنية لتلقي القبض على الابن في مدينة جبة 100 كلم شمال حائل."

وبين لـ"الوطن"مصدر موثوق أن الشيخ العودة فوجئ برسالة تركها ابنه في البيت يقول له فيها:

"موعدنا الجنة بإذن الله .. سأسافر إلى العراق للجهاد".

وفي بادرة قوية أبلغ الشيخ سلمان كبار المسؤولين في الدولة طالبا التدخل والمساعدة في البحث عن ابنه وإعادته. وقد ظل الشيخ العودة قلقا ومتوترا طوال الوقت قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية بنجاح كبير من توقيف الابن في مدينة جبة وإعادته إلى والده في نفس اليوم.

ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد فقد أبلغ الابن جهات التحقيق بأنه لم يكن يفكر في الإقدام على خطوة السفر إلى العراق والمشاركة في الجهاد، وإنما كان الأمر مجرد مزحة مع الأب بمناسبة العيد - على حد قول الابن.

يذكر هنا أن الشيخ سلمان بن فهد العودة أحد أهم الموقعين على بيان ما سمي بعلماء السعودية والذي يحثون فيه الشباب على الجهاد في العراق".اهـ"

وهذا عدنان العرعور كان ممن يرون فرضية الجهاد إبان الاحتلال السوفيتي لأفغانستان .. ولكن لما علم عرعور أن ابنه يحب شيخ المجاهدين أسامة بن لادن حفظه الله -كما أخبرني هو بنفسه- قام العرعور وقعد، ليبين لابنه أنه ليس المجاهد النافر بخير ممن قعد!

فذر المكارمَ والمعاليَ إنها

شهد العداةُ له بها وجهادهُ ... شيخُ العلوم وحبرها وإمامها

فعلوُمُهُ تُفدى لها أولادهُ ... ولمن تَأكَّل بالعلوم وحِفظها

وَإن نالني من والدي المجد والشرف ... عن يعلى العامري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الولد مبخلة مجبنة) [أخرجه ابن ماجة، وأحمد] أي مظنة البخل والجبن. فلأجله يبخل الإنسان ويجبن ..

قال في"إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة"5/ 68:"أن شدة الحب للولد قد تصيب المرء بالجبن أو البخل؛ الجبن عن الخروج لما تعين عليه من الجهاد مثلًا، أو للذود عن المحارم، والبخل عن البذل الواجب عليه، وهما صفتان مذمومتان، لكن الإسلام أذهب عن النفس المؤمنة الجبن والبخل، بما عودها على حسن التوكل على الله، والثقة في ما وعد به المجاهد من حفظ أهله وأبنائه، وما أخبر به المنفق في سبيل الله بنماء ماله ..".اهـ

ولقد بوب الإمام البخاري في صحيحه:"باب من طلب الولد للجهاد"قال الحافظ ابن حجر:"أي ينوي عند المجامعة حصول الولد ليجاهد في سبيل الله فيحصل له بذلك أجر وإن لم يقع ذلك".اهـ [فتح الباري 6/ 43] .

عن أبي هريرة رضي الله عنه: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال سليمان بن داود عليهما السلام لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل إن شاء الله، فلم يقل إن شاء الله، فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون) .. [متفق عليه] .

قال الإمام النووي رحمه الله:"قوله: (فتحمل كل واحدة منهن، فتلد كل واحدة منهن غلامًا فارسًا يقاتل في سبيل الله) ، هذا قاله على سبيل التمني للخير، وقصد به الآخرة والجهاد في سبيل الله تعالى، لا لغرض الدنيا".اهـ [شرح صحيح مسلم 11/ 174] .

وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري 10/ 711:"أن طلحة قال للزبير: أسماء بنيَّ أسماء الأنبياء وأسماء بنيك أسماء الشهداء، فقال: أنا أرجو أن يكون بني شهداء، وأنت لا ترجو أن يكون بنوك أنبياء! فأشار إلى أن الذي فعله أولى من الذي فعله طلحة". اهـ

قال شيخنا أبو محمد المقدسي حفظه الله:"والذي أريد التذكير به من ذلك أن نحقّق تكبير الله في حياتنا وأن نستعلي على حطامها .. ونصبر على بلائها، فإذا كان أبونا إبراهيم قد عزم على ذبح ابنه في سبيل الله وطاعة له، فأولى بنا أن نتقبل بصدر رحب فراقنا لأبنائنا حين يفارقوننا أو نفارقهم لسجن أو جهاد أو غيره؛ ما دام ذلك لله وفي سبيل الله ..".اهـ [رسالة إلى الأهل سنة1423هـ] .

وهاهنا يطيب لي أن اسطر بعض الكلمات، لأمنا الصابرة على الابتلآت، أمنا أم محمد حفظها الله ورعاها:

أمنا الفاضلة كوني كالخنساء، [11] ولا تكوني كخناس .. [12] وتذكري موعودكِ إن صبرت -وأنت كذلك- عند رب الناس ..

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: (ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة) [أخرجه البخاري] ، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه، وهو أصح ما ورد في ذلك، وقوله: (فاحتسب) أي صبر راضيًا بقضاء الله راجيًا فضله".اهـ [فتح الباري 3/ 119] .

بل! كما ذكر بعض أهل العلم، أن من بر الابن لوالديه؛ الجهاد في سبيل الله. إذ أنه إن رزقه الله الشهادة، سيشفع لهما، وهذه أكمل سعادة ..

عن المقدامِ بن معْدِ يكَرِبَ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (للشَّهِيدِ عندَ الله سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ في أَوَّلِ دُفْعَةٍ ويرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، ويُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَامَنُ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، وَيُوضَعُ على راسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ منها خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وما فيها، ويُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وسْبعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ(الْعِينِ) ، وَيُشَفَّعُ في سَبْعِينَ مِنْ أقَارِبِهِ) [13] [رواه الترمذي وابن ماجه والإمام أحمد] .

وعن نمران بن عتبة الذماري قال: دخلنا على أم الدرداء ونحن أيتام فقالت:"أبشروا فإني سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته) " [أخرجه أبو داود وابن حبان والبيهقي] .

قال العظيم آبادي رحمه الله:" (يشفع) بصيغة المجهول من التشفيع، أي يقبل شفاعته (في سبعين) أي إنسانًا (من أهل بيته) أي من أصوله وفروعه وزوجاته وغيرهم".اهـ [عون المعبود 7/ 86] وأول أصول الشهيد هم أبواه، فنسأل الله أن يشفع لكما.

جاء في التاريخ الإسلامي 2/ 246:"لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من غزوة أحد خرج من فيها لاستقبالهم والسؤال عنهم وكان من بين من خرج أم سعد ابن معاذ سيد الأنصار وكانت تركب فرسه وابنها سعد آخذ بلجامها، فقال سعد أمي يا رسول الله فقال: (مرحبًا بها) ، فلما اقتربت منه عزّاها بابنها عمرو بن معاذ، فقالت: أما إذ رأيتك سالمًا فقد هانت مصيبتي، فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها: (أبشري وبشري أهلهم أن قتلاهم ترافقهم في الجنة جميعًا وقد شفعوا في أهلهم جميعًا) ".اهـ

وأخيرًا: قال الإمام محمد بن مسلم للإمام أبي حاتم الرازي: هلم بنا ندخل علي أبي زرعة نلقّْنه -وكان أبو زرعة في النزع- فقال له: أن من حقوق الصحبة أن نكون معه حتى آخر لحظه. فقال أبو حاتم:"إني لأستحي من أن ألقن أبا زرعة".اهـ [14]

فإن كان أبو حاتم يستحي أن يلقن أبا زرعة وهما قرينان في الطلب، فكيف للطالب أن يُصبر شيخه صاحب الرتب؟! وإن أبا همام لا يستحي من ذلك فحسب! بل يعده من جملة قلة الأدب!

ولكن أكتفي بأن امسك رأس شيخنا أبي محمد المقدسي حفظه الله، وأقبل بين عينيه، وأقول:"كلنا أبناؤك أي شيخنا"..

أُفَضِّلُ أُسْتَاذي على فضل والِدِي

وذاكَ مربي الجسم والجسمُ كالصَّدَف ... فهذا مُربي الروح والروحُ جَوْهَرٌ

ولابد يومًا أن ترد الودائع ... عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( .. إنما أنا لكم مثل الوالد لولده- وفي لفظ آخر: بمنزلة الْوَالِدِ أُعلمكم) [أخرجه النسائي وابن ماجه والدارمي وصححه الألباني] ، فبين الشيخ والتلميذ أُبوة علمية وكما قيل:"أبوة الإفادة، أعظم من أبوة الولادة".

وأبوة المعلم مقرره لدى علمائنا؛ فهذا الإمام النووي رحمه الله يقول في (مجموعه) وهو يترجم للإمام أبي العباس بن سريج: (وهو أحد أجدادنا في سلسلة الفقه) ويقول في مقدمة (تهذيبه) : (إنهم أئمتنا وأسلافنا كالوالدين) . وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن:"كان يقال: إنما الناس مع علمائهم مثل الصبيان في حجور من يربيهم، قال: يريد آباءهم".اهـ [المعرفة والتاريخ 1/ 669]

وتعلم أي شيخنا أبا محمد أنه كما أثر في منهجية التتلمذ:"أنه ينبغي على الطالب أن يجعل أحد شيوخه له كالأب، وبقية شيوخه كالأعمام".. فاعلم -شيخنا أبا محمد- أنك أنت أنت لنا كالأب لكن دون كاف التشبيه، وبقية شيوخنا كالأعمام.

ولقد اشتهر في معجم طلاب العلم وقاموسهم ما يُعرف بـ:"الرضاع الأدبي" [15] .. فكم هم الذين رضعوا من علمك وأدبك، فزادت عندهم أواصر حبك؟! وكما قال أمير الاستشهاديين أبو مصعب الزرقاوي رحمه الله:"ولا أظن موحدًا في هذا الزمان إلا وللشيخ عليه فضل".اهـ

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين.

وكتب: أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري

3/ 7/1431هـ - 15/ 6/2010م

وما المال والأهلون إلا ودائع

[1] كان هذا المقال في سنة 1417هـ.

[2] في سنة 1415هـ.

[3] جاء في صحيفة السبيل حول هذه الحادثة:"وأضاف أن ابنه خرج من الأردن بعد سقوط أفغانستان مع"مجموعة من شباب السلط"، حيث كان المقدسي نفسه ينوي الذهاب معهم إلى هناك، إلا أن"الإقامة الجبرية"التي كانت مفروضة عليه حالت دون ذلك".اهـ

[4] ستنشر في المنبر المبارك قريبًا إن شاء الله ..

[5] ومن القبول الذي وضع لعمر في الأرض حتى بعد مقتله رحمه الله؛ أن الناس انكبوا على بيت شيخنا أبي محمد المقدسي حفظه الله انكبابًا ليباركوا ويهنئوا، فامتلأ بيت الشيخ، وامتلأت المضافتان، بل وحتى السطوح! ويحسب الشاهد أنه لم يتغيب أحد ممن سمع بالخبر! فقد جاء القريب والغريب .. بل حتى قناة السوء"العربية"جاءت ولكنها قوبلت بالطرد! فطردت شر طردة! جزاء صنائعها في عداوة المجاهدين ونصرة أهل الكفر والردة.

جاء في"وكالة أنباء براثا":"نعت الصحافة الأردنية وشعب الأردن بألم وحزن بالغ الإرهابي الأردني عمر عز الدين المقدسي وهو ابن الشيخ الارهابي".اهـ

[6] روي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان) [رواه الطبراني] ، وكما يقول بعض إخواننا:"إن إفشاء المعلومات؛ على قدر الحاجة، لا على قدر الثقة!".

[7] سبع سنين أحداث، والسنة ثمانية شهور ..

[8] وتأمل قوله: (في بلدنا العراق) فإنه يحسب حساب وقوع رسالته في أيدي الأعداء فيصر على لزوم عراقيته التي ادعاها احتياطا ..

[9] جاء في"الغد"13/ 6/2010م:"تعاملت معه السلطات في العراق وفق هوية عراقية كان يحملها، ولم تكن تعلم أنه ابن أخطر مشايخ التطرف والإرهاب في العالم".اهـ

[10] بعضهم جعل النجوم منصوبة على المغالبة أي أن الشمس تغلب النجوم بكاء. بينما الكسائي جعلهما ظرفًا، أي ما طلع نجم وقمر. [انظر العقد الفريد 3/ 232] .

[11] انظري خبرها مع أبنائها الأربعة؛ في"الإصابة"لابن حجر رحمه الله 4/ 2486.

[12] خناس بنت مالك أم مصعب بن عمير رضي الله عنه؛ إذ أنها كانت تحاول منع ولدها عن اللحاق بركب الحق.

[13] قال الإمام المنذري رحمه الله:"والظاهر أن المراد بالسبعين الكثرة لا التحديد".اهـ [عون المعبود 7/ 86] .

[14] رواها الحاكم وغيره.

[15] "مقاصد الشريعة"لعلال الفاسي (ص33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت