فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 1099

وأما عن شخصه وخلقه وأدبه، فكان - تقبله الله - أخًا فاضلًا صاحب أخلاق سامية نبيلة، دائم البسمة، بشوش الوجه، تنظر في وجهه فترى إشراقًا ونورًا، وينشرح صدرك لرؤياه، يُدخل البهجة والسرور على قلوب إخوانه، شهمًا، وقورًا، كريمًا، محبًا لدينه وإخوانه.

رأيت فيه أخًا عاملًا لدين الله، لا أظنه يهدأ لحظة عن العمل لهذا الدين، فهو بين الخطب والدروس والمواعظ وحلقات تحفيظ القرآن والمعاهد الشرعية الشبابية والنسائية ومشروع"ابنة الإسلام"، وفي وسط كل هذه الأعمال لا تفارقه ابتسامته العذبة، ولا تمنعه هذه الأعمال عن زيارة إخوانه في الله وتفقد أحوالهم.

يٌظهر الاهتمام بإخوانه، ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم، عظيم الاحتفاء والترحاب بضيوفه، لازلت أذكر كيف كان يلقاني بشوشًا مبتسمًا مرحبًا بي، ولا أنسى آخر لقاء بيني وبينه قبل استشهاده بأربعة أيام، دار بيننا فيه حديث طيب جميل، كما لا أنسى يوم أكرمني بنسخة من كتاب"بلوغ المرام"، أحتفظ بها حتى هذه اللحظة.

رأيت فيه خطيبًا مفوهًا، وصاحب قلم أدبي سيال، يجيد الكتابة المشوقة، ولكلماته تأثير عجيب فيمن يقرؤها قَلَّ أن تجده عند غيره، ولعل سر ذلك صدقه، وكتابته بقلبه قبل قلمه!، وقد سمعت عن قلمه قبل أن أقرأ له، إلا أني لم أتصور مدى روعة قلمه حتى قرأت له، فرأيت في قلمه مستقبلًا زاهرًا لأديب مسلم مجاهد يمكن أن يساهم في التقديم لمكتبة الفن الإسلامي، إلا أن الله أراد له أمرًا آخر!، وسيجد القارئ في هذه القصة الرائعة مصداق ذلك.

وأما عن محبة الناس وقبولهم له فحدث ولا حرج، ومن المواقف الطريفة في هذا الأمر أني صليت يومًا في أحد المساجد التي يتردد عليها"أبو المثنى"ويعقد فيها بعض حلقاته لتحفيظ القرآن، وكان معي صديق لي، وبعد الصلاة جاءنا رجل كبير متقدم في العمر، وسألنا: هل أنتما من أصدقاء أبي المثنى؟، قلت: نعم، قال: نحن نحب أبا المثنى، اللهم انصر أبا المثنى، ومن يحب أبا المثني، ومن لا يحب أبا المثنى طلقة في رأسه!، فابتسمت ضاحكًا من طيبة الرجل ومحبة الناس لهذا الأخ الفاضل، وأخبرت أبا المثنى يومها بهذه القصة الطريفة وقلت له مازحًا: يجب أن أظل محبًا لك طوال عمري، وإلا فطلقة في الرأس تنتظرني!.

القصة التي بين أيدينا الآن من الكتابات الرائعة لأخينا"أبي المثنى"، قرأتها له قبل فترة، فرغبت في نشرها، لجمالها وروعة أسلوبه فيها، فأعطانيها قبل استشهاده بفترة يسيرة، ولكن قَدَّر الله أني انشغلت وتأخرت في نشرها، وكأن قدر الله أن يستشهد كاتبها ليكون عنوانها:"قصة شهيد كتبها شهيد"!، فلما فجعت بخبر استشهاد أخي الحبيب"تَوَّاق"في معركة"باشكوي"بحلب، طفقت أتخيل حال تلاميذه الأشبال وقد فجعوا باستشهاده، وكيف سيكون حالهم بعده!، فرأيتهم في مخيلتي وأهله وإخوانه يتوجعون ألمًا وحزنًا لفراقه، والناس في المساجد يفتقدونه، وشوارع"حلب"تبكيه، فكتبت هذه التقدمة، وأرسلتها إلى إخواني في"البشريات"لنشرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت