وهوى الأحبة منه في سودائه ... ولد في الجبل الغربي بليبيا، وقتل في جبل من جبال أفغانستان، وما بين الجبلين؛ آلاف الأميال، مسافة طويلة، وقصة أطول، ولكن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.
إنه عبد الله النالوتي؛ من مدينة نالوت في شمال غرب ليبيا، ولد في الجبل الغربي، وفيه نشأ وترعرع، فأخذ من الجبل قوته وحزمه، ومن هوائه صفاءه ونقاءه، ومن أهله شجاعتهم وإباءهم.
وعندما فتح صاحبنا عينيه على الدنيا وعرف خيرها من شرها؛ وجد بلاده محكومة بعصابة من الأشرار، تمتص خيراتها، وتفسد أخلاق أهلها، وتهدم ثوابثها، وتستهزي بدينها وعقيدتها، فتح عينيه على ذلك كله، فحاول أن يروض نفسه على التأقلم والمعايشة، لكنها استعصت عليه، وحملته على مفاصلة الباطل ومفارقته، كان يشعر بالكبت في تلك البلاد الظالم حكامها، ولا يجد فيها مجالًا للبذل والعطاء.
نعم! كان يأنس من نفسه قدرة على بذل شيء، ولكنه كان يتساءل؛ أين؟ وكيف؟
تدبر في آي الكتاب، فلاحت له آيات الهجرة من بلاد الظلم والطغيان، فحزم أمتعته، ويمم وجهه شطر اليمن الذي كان سعيدًا، ولكن خابت آماله؛ فقد تبين له أن اليمن السعيد إنما هو يمن الماضي، يمن الحكمة والفقه والإيمان، أما يمن اليوم فهو يمن آخر أصابه ما أصاب سائر بلاد المسلمين، فلم تكن الحال تختلف فيه كثيرًا، اللهم إلا في بعض المظاهر والرسوم، أما جوهر البلاء فمتحد.
قلب بصره وبصيرته مرة أخرى في آي الكتاب، فلاحت له الآيات المحرضة على الجهاد ومقارعة الظلم والباطل، بدأت الصورة تكتمل في ذهنه، وتتضح معالمها، وتنطبع ملامحها في مرآة فؤاده الصافية، قلّب بصره في خارطة العالم الإسلامي، فوجد ضالته في إمارة أفغانستان الإسلامية التي كانت أنباؤها تترامى إلى مسامعه المتلهفة، فهمّ وعزم ورمى كلام العذال تحت قدميه ...
عذل العواذل حول قلب التائه
إن الملامة فيه من أعدائه ... أأحبه وأحب فيه ملامة
كما قر عينًا بالإياب المسافر ... * * *
عانقت قدماه تراب أفغانستان الأبية، فتنفس الصعداء، إذ وجد ما كان يبحث عنه منذ حين، وجد الإسلام، وجد الشريعة، وجد الطهر والعفاف، وجد الأمن والأمان، وجد دولة تمثله وتحقق آماله ... فهدأ باله، واستقر قلبه ...
فألقت عصاها واستقر بها النوى
على كثير، ولكن لا أرى أحدا ... نعم! يظن المحجوبون أن غربته بدأت، ولكنها هناك انتهت، وقبرت على حدود أفغانستان!
خاطب نفسه بلسان صامت؛ لا وقت لديك تضيعينه، فالبدار البدار! وسرعان ما التحق بمصانع الرجال، ومدارس الإعداد التي سماها أعداؤنا"معسكرات الإرهاب"، وليسموها ما شاؤوا، لكن ما حيلة عبد الله؟ وما حيلة كل مؤمن بالقرآن أمام الأمر القرآني: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} ؟ لكنه مكر الأعداء وكيدهم، ليحرموا المسلمين من أعظم أسباب العزة، ووسائل الكرامة.
أما هم؛ فالباب أمامهم مفتوح، وما حرموه على المسلمين؛ فهو لهم حلال مطلق، وانطلت الحيلة على الكثير، فرددوا مقالات الأعداء كالببغاوات، لكن عبد الله لم يكن من هؤلاء الكثيرين القليلين!
إني لأفتح عيني حين أفتحها
على الأعداء قبلك أن تلينا ... عاف عبد الله حياة المدنية الرتيبة، وآثر البقاء في المعسكرات، مدربًا ومعلمًا ومربيًا، لم يكن يحسن تنميق العبارة، ولا تزويق الكلام - كما نفعل نحن - ولكنه كان يأسر المتدربين بخلقه وحيائه، ومروءته وحلو شمائله، وطول صمته، واتصال فكره وحزنه، ولا أزال أذكر إطراقه ببصره إلى الأرض إذا خاطبته، وهو يكاد يذوب خجلًا، لم أره مغاضبًا لأحد، ولم أسمع أنه تهاتر مع أحد، إنما هو العبادة والتدريب وخدمة الإخوان.
أذكر أول لقاء تحدثت فيه معه، وسألته عن مواهبه وقدراته، وميوله ورغباته، فقال في تواضع وأدب: ليس إلا الحديد!
مرت الأيام على عبد الله وإخوانه كأنها حلم وردي، أو طيف من خيال، وكان يسمع كغيره من أخوانه المجاهدين؛ أن الأعداء يتربصون بالإمارة الإسلامية التي لم ترق لهم، لأنها زهرة وسط غابة من الشوك، وظبية حسناء في غابة من الوحوش الضارية والذئاب الجائعة.
وكلما زاد وضوح منهج الإمارة وأنها لن تحيد عن الاسلام مهما كانت الضغوط؛ زاد تطلع المسلمين إليها، وفي نفس الوقت زادت المؤامرات والتهديدات والحصار والتضييق، بل وحشد القوة والتخطيط الفعلي للقضاء على الإمارة.
حتى بدأت تلك الحملة الصليبية الشرسة والتي كان يسوقها الحقد الصليبي على الاسلام، فحزبوا الاحزاب وجاءوا من كل مكان، وتقاسموا أن يقضوا على الإسلام، وأن يستأصلوه من جذوره، ولكن خيبهم الله، وأبقى لهم ما يسوؤهم.
وقعت الحملة وانحاز المجاهدون الى الجبال، حتى يخففوا عن المستضعفين من الرجال والنساء والولدان وطأة القصف الصليبي الحاقد الذي لم يفرق - ولم يرد أن يكلف نفسه عناء التفريق - بين شيخ و شاب، ولا امرأة وطفل.
واشتد القصف، واستعملت الأسلحة الممنوعة على المستضعفين فقط،، فصدرت الأوامر للمجاهدين أن يخرجوا من أفغانستان أو يتوزعوا في الجبال إلى حين، وخرج كثير من الأنصار، وبقيت مجموعة من المجاهدين وقع عليهم الاختيار، وخرج الباقون، وكثير منهم يخفي دموعه وراء"البتو"- الرداء الأفغاني -
وكان عبد الله من الذين بقوا في أفغانستان، وعلم الأعداء بمكانهم، فاشتد الكرب، وكثف عليهم القصف، وتقدمت قوات الصلبيين والمرتدين للقضاء على المجاهدين في ملحمة"شاهي كوت"، ولكن الفئة المؤمنة لم تلن قناتهم، ولم تهن عزائمهم ...
فإن قناتنا ياعمرو أعيت
كأنك في جفن الردى وهو نائم ... ثبت أبطال"شاهي كوت"، وكان عبد الله من بينهم، وأوقعوا بالكفار هزيمة نكراء، فسقط عشرات القتلى، وتحطمت طائراتهم، {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرًا} .
وحاول العدو وأبواقه تغطية سوأتهم، والتعمية على هزيمتهم، ولكن أخبارها انتشرت، وفصولها قرئت، واعترف جنودهم بها، وكان عبد الله من صانعيها ومسطريها، ولكن في صمت ودون صخب ولا ضجيج!
وسيذكر التاريخ ذلك، لكن التاريخ لا يعرف إلا بعد مضيه وانقضائه.
لقد اهتزت الجبال تحت وطأة القذائف ذات الأطنان، ولكن صاحبنا وأخوانه لم يهتزوا، فسبحان الذي ثبتهم، وتفتتت صخور الجبال الصم، ولكن قلوبهم ثبتت كأصل الجبل الذي كانوا يقفون عليه، وفرت الوحوش والطيور هاجرة أوكارها، ولكن صاحبنا لم يفر ...
وقفتَ وما في الموت شك لواقف
وبقي عبد الله مع إخوانه في تلك الأرض مجاهدًا مرابطًا، يبتغي الموت مظانه، مشتاقًا إلى لقاء الأحبة محمد وصحبه، وإلى لقاء إخوانه الذين سبقوه على درب الشهادة.
وجاء يوم العرس الذي كان ينتظره عبد الله، وموعد اللقاء الذي كان يرتب له منذ حين! وسقط عبد الله مضرجاُ بدمائه، وفاظت روحه إلى السماء ليلتقطها - إن شاء الله - طير أخضر يسرح بها في الجنة ويأوي بها إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل عرش الرحمن، {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون} .
لقد أكرمه الله بالشهادة - نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدًا، ووالله ما علمنا عليه إلا خيرًا - ولقد قتل صابرًا مصابرًا، مقبلًا غير مدبر، مجاهدًا مرابطًا، مهاجرًا غريبًا في أرض تبعد آلاف الأميال عن وطنه.
أخي عبد الله ...
لقد بكيناك عند سماع خبرك، ولا نملك حبس أدمعنا، فهي رحمة يضعها الله في قلوب عباده، ولكن في الحقيقة ينبغي أن نرثي لأنفسنا، حيث لم ننل هذا الشرف، وبقينا بعدك نرتب الحروف، وننقش الكلمات على صخرة إبائك.
ولكن يا أخي، لتهنأ في قبرك، فوالله الذي حبب إليك الجهاد، وثبتك في مواطن الجِلاد؛ لن نترك هذا الطريق، ولن نفرط في الأمانة التي تركتها لنا، حتى يظهر الله دينه، أو نهلك دونه، إذ لا خير في عيش المذلة، ولا نامت أعين الجبناء.
ثم لتهنأ أسرتك من بعدك بهذا الشرف، ولترجُ شفاعتك لهم في يوم العرض على الله.
وأخيرًا ...
هنيئًا لأهل الجبل الغربي بليبيا هذا الوسام، الذي قلدتهم إياه، ونقدت ثمنه من قطرات دمك.
والله نسأل أن يتقبلك في الشهداء، وأن يعلي درجتك في عليين، وأن يلحقنا بك بعد أن يقر أعيننا من أعدائه ... آمين.
بقلم؛ أبي محمد المصراتي