فهرس الكتاب

الصفحة 568 من 1099

وكان شأنه مع الصلاة عجيبًا، فقد اشتد المرض عليه رحمه الله، فبدأ يغيب عن وعيه وتفوت عليه بعض الصلوات، ولكنه كان سرعان ما يفيق من غفوته مذعورًا ويقول: الصلاة الصلاة، هل فاتتني الصلاة؟ ثم يقوم بالصلاة ويعود لغفوته، ثم يصحو منها وينادي بالصلاة ظانًا أنه لم يصل، فطمأنه الإخوة وعملوا له جدولًا للصلوات الفائتة فارتاح كثيرًا، وكلما استيقظ من غيبوبته يقوم بقضاء ما عليه من صلوات ولم يمت رحمه الله وعليه فرضٌ واحد فقد أداها جميعًا رحمه الله.

وكان رحمه الله يدعوا كثيرًا حال مرضه، وكلما دخل عليه الإخوة وجدوه رافعًا بصره نحو السماء يناجي ربه، وكان في آخر أيامه يوصي الإخوة بالثبات، ويوصيهم بمعاداة الطواغيت والبراءة منهم، وكان يسبهم ويشتمهم، ويوصي إخوانه بالتعاون والتكاتف. فلله دره، تخيل أن ترى أخاك طريحًا على فراش المرض يكاد يلاقي ربه ومع ذلك يخصك بنصائحٍ غالية! لاشك أنها ستكون محفورةً في سويداء القلب لا تبرحه، رحمك الله يا عامر ...

ما زالَ صمتُكَ غَارقًا في دَمعتِي .. مَازالَ صوتُكَ حَاضرًا في يَقضتي .. مَا زلتَ أَنتَ بِرَغمِ مَوتِكَ لَم تَزل .. بَطلَ النّهايةِ من بدايةِ قِصّتي ..

قال عنه الشيخ عبد الله الرشود حفظه الله: (كان كلما زرته في مرضه رأيت منه عجبًا في تحمل الألم والصبر على الأذى، وكان كلما اشتد عليه الألم أوصى الإخوةَ بالثبات على الطريق وعدم النكوصِ عنه، وكان يقول:"إنني أتمنى الشفاء من الله كي أثخن في الطواغيت وأواصل درب الجهاد".

اقترب الشهر الثاني من نهايته، والنفس الكبيرة ما زالت تضرب أروع الأمثلة في الثبات الصمود والفداء، ولقد جمع إخوته رحمه الله قبل استشهاده بيومين وجلسوا بجانبه، فبدأ يشير على كل واحدٍ منهم ويقول:"يا فلان إني أحبك في الله حبًا خالطَ بشاشة قلبي"فعلَ ذلك مع كل واحدٍ منهم على حده، ثم ألقى عليهم كلمةً مؤثرةً بليغة تأثر منها الإخوة كثيرًا، وكان فصيحًا جيّد الاستحضار للآيات والأحاديث وأبيات الشعر، ولكنه في تلك الكلمة كان محلقًا في قلوب الإخوة الذين استمعوا له، وأوصاهم وصايا غالياتٍ مازال الإخوة يرددونها ويتذكرونها.

وفي يوم الخميس - قبل مقتله بيوم - كان يدعو بحرارة ويبكي بكاءً شديدًا ويقول:"اللهم إني أحببت لقاءك فأحبب لقاءي"، وكان يتكلم عن بدر الشبانات [1] وأخيه زيدان، وكان يحب أخاه زيدان كثيرًا ويدعو الله أن يجمعه به وفي يوم الخميس - قبل مقتله بليله - وفي الثلث الأخير من الليل قال لأحد الإخوة: ادع معي، فكان

(1) الأخ الأكبر للشهيد عبد المحسن الشبانات الذي استشهد في يوم عيد الفطر 1424هـ في استراحة حي السلي، وقد استشهد بدر رحمه الله في أفغانستان وكان هو وعبد المحسن من أصدقاء عامر وزيدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت