الذهاب لأني أعلمُ أنه فرضُ عينٍ عليّ، ويسّر الله لي الذهاب إلى أرض أفغانستان الأبية - قبل غزوة سبتمبر بسنتين تقريبًا -.
قلتُ: وقد بَرِعَ رحمه الله في علوم الأسلحة، وقد توجّه بعد إكماله للدورة التأسيسية في الفاروق إلى خط (باقرام) شمال كابول، ولم يغادره حتى سقطت كابول، وقد استفاد من بقائه في الخط فائدة عظيمة، وقد أظهرت المعارك الشرسة التي خاضها معدنه الأصيل، فقد برزت شجاعته الفائقة في خط باقرام، وكان رحمه الله دائمًا في خندق الكمين - وهو أقرب خندق من جهة العدو، وعادةً هو أول خندق يشتبك مع العدو - وكان إذا اشتد القتال لا تكاد تعرف حيدرة من شجاعته وإقدامه.
ضَروبٌ لهامِ الضاربي الهام في الوغى ... خفيف إذا ما أثقل الفرس اللبد
بصير بأخذ الحمد من كل موضع وسيف لأنت السيف لا ما تسله ... ولو خبأته بين أنيابها الأسد
لضرب ومما السيف منه لك الغمد
وكان الإخوة الأمراء يتمنى كل واحدٍ منهم أن يكون حيدرةُ من أفراده، وذلك لِما علموا وسمعوا عن شجاعته الفائقة ومواقفه الجريئة في العديد من المعارك التي شارك فيها وكان له نصيب الأسد من المواقف فيها، ومما أذكرُ من قصص شجاعته النادرة أن المسعوديين (نسبةً إلى قائدهم أحمد مسعود) قاموا بهجومٍ عنيف على خطوط الإخوة، وكانت في مقدمة العدو 12 دبابة، وكان حيدرة في ذلك الوقت يحمل رشاشًا متوسطًا (بيكا) وكان في الخندق الأمامي، فلما رأى قوةَ الهجوم قامَ بتسليم البيكا لمساعده، وانسحب إلى المركز في الخلف وأحضر مدفع 82 وعدد كبير من القذائف، وكان معه أحد الإخوة اليمنيين، المهم الآن أن مكان المدفع لابد أن يكون مكشوفًا حتى يصيب أكبر عدد ممكن من دبابات العدو، وكان في الخط تبة كبيرة لا يوجد عليها أي سلاح للإخوة، وذلك لخطورتها وانكشافها بالكامل بالنسبة للعدو، فتوجه حيدرة وأخوه اليمني إلى وسَطِ التبّة، وقاما على مرأى من العدو ومسمع بنصب المدفع، حينها صوّب العدو كل أسلحته من دبابات ورشاشات ومدافع على حيدرة وصاحبه، وقاموا برمايتهم رمايةً مكثفة حتى أنهم أحرقوا التبّة عن بكرة أبيها والأسدان مازالا ثابتين مع أن القذائف والرصاص ينهال عليهم مثل المطر، وتمكنا أخيرًا من نصب المدفع وأطلق طلال أول قذيفة فسقطت قبل الدبابات المتقدمة فقام بإعادة توجيه المدفع - وكأنه وصاحبه في نزهة!! - ثم أطلق القذيفة الثانية فأصابت أول الدبابات المتقدمة وأحرقتها، فلما رأت العدو ما أصاب طليعته انسحبت جميع القوات المهاجمة وانتصر المجاهدون في تلك المعركة بفضل الله عز وجل ثم بثبات حيدرة وأخيه رحمه الله، ويقول أحد الإخوة عن هذه المعركة: استغرب جميع الإخوة من رماية العدو على التبة لأنها خالية من أي سلاح وكانت الرماية كثيفة جدًا،