فهرس الكتاب

الصفحة 621 من 1099

كان رحمه الله حافظًا للقرآن كثير التلاوة لآيه، لا تكاد تدخل عليه في خلواته إلا وتجده مرتلًا، وكانت قراءته تتميز بالخشوع والتدبر حتى كان من يسمعه يظنه لا يحسن القراءة رغم أنه مجود للقرآن متقن له وما ذلك إلا لكثرة وقوفه عند بعض الآيات وتكراره لبعضها وكنت ترى في وجهه نورًا لاتراه إلا في وجوه الأبرار ونحسبه منهم والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا. عايش رحمه الله بعض الاستنفارات فلم يكن ممن تقلقله النازلة حين تنزل بل كان يخوض غمارها رابط الجأش ثابت القلب تعلوه السكينه وتغشاه الطمأنينه.

حين بدأ التحضير لعملية المحيا كان شهيدنا سباقًا إلى طلب الدخول فيها وكان بذلك ينافس بعض إخوانه ممن يروم مرامه ويبتغي مبتغاه حتى بلغ الحال إلى أن يصير بينه وبين أحدهم مشادة أخوية فكان يقول:"لقد فاتني الدخول في عملية شرق الرياض فهذه السيارة لي بإذن الله"وكان كما أراد فقد كان هو قائد سيارة عملية المحيا لما كان يتميز به من براعة في القيادة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده .. ولعل الله أكرمه بالدخول في هذه العملية بصدقه. لقد كان رحمه الله صادقًا في كل شأنه بدءًا بصدق الحديث وانتهاء بصدقه في طلب الشهادة ولعل من علامات صدقه أنه كان لا يرى الرؤيا حتى تقع مثل فلق الصبح في مدة وجيزة وذلك مصداق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:"إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا"ومن ذلك أنه رأى قبل مقتله بمدة كأن تذاكرَ توزع على بعض المجاهدين منهم من استشهد ومنهم الأحياء وكان هو ممن نالته تذكرة من تلك التذاكر، فأولت له الشهادة.

كان الوقت يتفارط وعملية المحيا تدنو والعمل في تجهيز السيارة على أشده وكان شهيدنا هو ورفيقه علي المعبدي رحمهما الله يدعوان الله أن يبارك فيها .. وفي ليلة من ليالي رمضان وبعد الانتهاء من تجهيز السيارة لم يرع المجاهدين إلا وكلاب المباحث تحوم حول الاستراحة ولعلها بداية تطويق فدخل أحد المجاهدين على شهيدنا رحمه الله فأخبره الخبر فما كان منه إلا أن قال لعلنا نستخير، فاستخار بعد أن صلى العشاء والوتر ثم نهض هو ورفيقه يحثان الخطى إلى الجنة، ورمى هو جعبته وسلاحه فلم يكن معه شيء وما ذلك إلا يقينًا بتأييد الله وحفظه وأنه سيتم العملية ولن يخذلهم.

ركب الشهيدان مركب الموت وسارا مطمئنين واثقين راضيين وهما يتباشران بالقدوم على أحبة لهما سبقوهما، كان السياري رحمه الله قبل دخول المجمع مباشرة جذلان مسرور ضاحكًا كما روى عنه من شاهده من مجموعة الاقتحام، وكانت قيادته أثناء الاقتحام هادئة ساكنة بثبات وتؤدة .. فرحمه الله هو ورفيقه رحمة واسعة.

والآن بعد أن فارقنا ذلك البطل لم يبق من آثاره بيننا إلا حسن الذكر وطيب الحديث عن رجل كان بحق رجل رجلٍ ترك وظيفته في الحرس الوطني لله وترك الدنيا معها .. رجلٍ ملك الجهاد عليه شغاف قلبه .. رجل شجاع في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت