بسم الله الرحمن الرحيم
يا إلهي .. أكتب وأكتب .. ثم أشعر أنني أحاول عبثًا أن أجمع للقارئ كل تلك التفاصيل البطولية وأن أحصي تلك المآثر الخالدة ... حاولت أكثر من مرة وما والله أظنني أستطيع .. فما كان لأمثالي أن يوفي بحق أولئك العظماء وليعذرني كل قارئ فلست أهدف للإحاطة بكل سيرهم ولا حتى بجزء منها ..
إنها تطول وتطول وأني عاجز عن الوفاء .. ولا أجد لي من عذر ألا أن أقول"مالا يدرك كله لا يترك جله".. ولذا فاعتبروها بطاقة تعريف بالشهيد أو زهرة من بستان محاسنه ..
يستحوذ علي شعور حزن وألم بين الفينة والأخرى على فراق أولئك الفرسان .. ويتمثل لناظري كل فترة صورهم وقد تزينت بزينة الإيمان والصدق, وحملوا تلك البنادق العتاق .. صور أولئك الشباب في عمر الورود وزهرة الحياة, قد استعلوا بإيمانهم على حطام الدنيا الفانية وترفعوا عن سفسافها, إذا نطق أحدهم رأيت الحكمة والجزالة, وإن صمت علاه الوقار والهيبة, وإن قدر لك أن تراهم في معامع الحرب فهم فرسانها وشجعانها, لا أظنني حانثًا إن قلت أني ما رأيت أصدق منهم قولًا ولا فعلًا، ولا أصفى منهم قلوبًا ولا سريرة -كذلك نحسبهم والله حسيبهم-.
شعور من الحزن ينتابني وما في ذلك علي غضاضة, وما كان حزني على فراقهم أكبر من حزني على أنني تخلفت في ركب الخوالف وسبقوني إلى الشهادة -كما أحسبهم-
أيها القراء الأفاضل أستحلفكم بالله أن تدعوا لي بالشهادة فيلحقني الله بركبهم فإن فراقهم قد نغص علي عيشي.
وهكذا فإنه من أعظم نعم الله على العبد -بعد الإسلام والهداية للجهاد- أن يتعرف على أمثال هؤلاء من المجاهدين الأنصار الذين ما استبقوا لأنفسهم شيئًا من حطام هذه الدنيا, ففتحوا صدورهم وبيوتهم، وآووا ونصروا وخاطروا, وبذلوا برهانًا على صدقهم دمائهم الزكية في هذه المرحلة من مراحل جهاد أمتنا ضد أعدائها -فرحمة الله عليهم رحمة واسعة-.
عندما أتذكرهم أتذكر صورة أجدادهم الأوس والخزرج- سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- من أنصار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأتذكر تلك المواقف من عبق السيرة النبوية وأجد حينها صدق ما قاله الشاعر:
لأن شهد التاريخ أوسًا وخزرجًا ... فلله أوس قادمون وخزرج
موعدنا اليوم مع حفيد الأنصار، الفارس المغوار والشاعر النحرير والأنصاري الشهيد"موحد المأربي"علي بن سعيد بن جميل .. رحمه الله رحمة واسعة ..