فهرس الكتاب

الصفحة 941 من 1099

سمع شبابًا يتكلمون بلهجته فتعارفوا وفاتحهم بعد أن ظن منهم ومن سَمْتِهم أنهم مجاهدون أو في طريقهم إلى ذلك وصدقت فراسته واحتملوه معهم إلى بلاد الرافدين وكان أمير المجموعة (أبو خباب الفلسطيني) رحمه الله الشهيد البطل لعلنا نعود إلى سيرته لاحقًا.

أقول وصلت المجموعة إلى بيتي وفي ليلة من أجمل ليالي العمر جلسنا جميعًا وتذاكرنا البيعات وتذكرنا بيعة الصحابي الجليل عكرمة بن أبي جهل لما بايع أصحابه في معركة اليرموك على الموت فمددنا أيدينا وتبايعنا على الموت والجهاد في سبيل الله.

وجاء وقت الوفاء وطُلب منا عمل ضد مبنى الأمم المتحدة وإن كان قد ضُرب قبلَها بشهر إلا أنه ما زال العمل فيه مستمرًا وتَبَقَّى من موظفيه ما يقارب مائة شخص يخدمهم عدد ضخم من الشرطة حديثة التكوين. وتَمَّتْ مراجعة المكان وكيفية ضربه ونوعية السيارة الممكن استخدامها وكمية المتفجرات اللازمة والطرق البعيدة عن السيطرات وإلى غير ذلك.

وكان -أبو أسامة- أصدق المتابعين وأكثرهم إلحاحًا على سرعة التنفيذ وكان قد كلفنا الاتصال على أهله وإذا بأمه تبشرنا أن ولدها رزق بولدِ وأسمته (أسامة) على رمز أهل السنة والجماعة أعني (بن لادن) .

وذهبْتُ إلى البيت الذي فيه أبو أسامة أحمل في ذهني هم العملية وأسلوب تنفيذها واختليت بأخي وأخبرته أنه قد تم اختياره ليكون هو المنفذ لها ففرح وطار وضحك وأوصاني أن يبقى الأمر سرًا بيني وبينه ولا يعلمه أحد من الشباب حتى يتم فوعدته بذلك ودخلنا وجلسنا مع الشباب, إذ بي أتذكر أني أحمل له بشرى أنه رُزق بولد أسمته أمه أسامة, قلت سبحان الله كيف أقول له ومنذ دقائق كلمته على الاستشهاد, فاستخرت واستعنت بالله ثم بشرته, ففرح ثم خلا بي وقال بالحرف الواحد (كنت منذ أن استيقظت مسرورًا وعلمت أن خبرًا مفرحًا سيأتي فو الله ثم والله للأول أحبُ إليّّ من الثاني) .

وجاء يوم التنفيذ فأحضرْتُه إلى بيتي وحتى يختلي بنفسه ليلة التنفيذ بعيدًا عن الشباب وأقبل على ربه يصلي ويدعو ويبكي وجلستُ خلفَه أَمْلأ العين منه ثم قلت له وذلك في حوالي الثانية ليلًا: أسامة استرح قليلًا (نام شوية) فنام ولم أنم ونظرت إلى وجهه فكان والله أجمل من القمر يتهلل فرحًا فمسكت قلمي وجلست أكتب وأنا أنظر إليه تلك الأبيات:

-علمني يا شهيد:

علمني كيف أكون شهيدًا * علمني كيف أموت حميدًا

علمني كيف أَدِينُ لربي * أدع الدنيا هناك بعيدًا

علمني كيف أودع أهلي * جلدًا صبورًا كالجبال صمودًا

علمني كيف أعوف بنيَّ * غضًا طريًا في الحياة جديدًا

أذر الأحبة للرحيم يقينًا * غير الرحيم من يعين وليدًا

فقل لي بربك يا شهيد معلمًا * أكنتَ يومًا للحياة مريدًا

وقل لي بربك يا حبيب مبشرًا * ماذا رأيت للشهيد حصيدًا

وجهُك نورٌ لا يَمَلُّ ناظره * قولُك حقٌّ والدليل شهيدًا

صمتك فكرٌ لا تحب سفاسفًا * هَزْلُك جِدٌّ في الأمور بعيدًا

فارقد أُخَيَّ قريرةً أجفانك * لا خوف عليك بعدُ أكيدًا

وفي الصباح كان من المفترض أن أذهب معه حتى نرى الهدف لآخر مرة قبل التنفيذ وهل جدَّ عليه شيء. فقلت له يا أسامة خذ قميص هذا أحسنُ لك واخلع قميصك وكان هدفي أن آخذه لي لأسباب ـ ليس لي فيها بدعة إن شاء الله ـ وانطلقنا سويًا ولما رأى الهدف وجدنا العدو فعلًا زاد حاجزًا مهمًا فقلت: هل يعيقك للدخول قال لا أنا الحمد لله أتجاوزه بسهولة فظللت أذكره بالله وأن الموضع موضع نصرة وأُلَمِّح له أن يتماسك فعلم مرادي وأني أريد أن أسمع منه كلمة تطمنني فقال لي كلمة ينبغي أن تشكل بالذهب.

قال: (اعلم يا شيخ لو أن الموت هاهنا ـ وأشار إلى حجرٍ أمامنا ـ ولا أستطيع أن أذهب إليه إلا زاحفًا لزحفت إليه فاطمئن) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت