أتمكن من ترجيح نسخة على أخرى، وبدأت أجيل النظر بين النسخ الأربع (ق) و (ر) و (ت) و (ص) بعدما استبعدت (م) فلم أجد في هذه النسخ ما يدل على أن آية واحدة منها نسخة المؤلف الأصلية، أو نسخة أحد تلامذته، أو مقابلته على النسخة الأصلية، أو متصلة بالسماع إلى المؤلف.
فلما لم أظفر بأي شيء من ذلك. انتقلت إلى المفاضلة بين النسخ عن طريق ترشيح الأقل خرومًا وطمسًا، والأكثر صوابًا. فابتعدت بهذه الطريقة نسخة"ت"لكثرة خرومها، ووجود طمس في أول وآخر كل صفحة منها. واستبعدت كذلك نسخة"ص"وإن كانت جيدة لأنها عبارة عن قطعة تحتوي على كتاب الطهارة وجزء يسير من كتاب الصلاة الأول فقط.
فبقي الاختيار بين نسخة"ر"و"ق"والحق أن نسخة"ق"رجحت كفتها على نسخة"ر"لكثرة خروم وسقوط وأخطاء هذه الأخيرة وقلتها في الأولى.
فراودتني فكرة اختيار نسخة"ق"وجعلها أصلًا، وبذلك أنأى بنفسي عن عهدة اختيار الكلمة الإنسب، عند اختلاف النسخ. ولكن لم أتمكن من ذلك، إذ وجدت هذه النسخة كثيرة الأخطاء كذلك. وكون ما في غيرها أولى بالإثبات مما فيها. فاضطررت مكرهًا بعد تقليب النظر والتهيب أن أسلك مسلك الانتقاء على خطورته ومشقته. فأقدمت عليه أقدّم رجلًا وأخّر أخرى، لعلمي بخطورة هذا المسلك وصعوبة اختيار اللفظة الصحيحة من بين ألفاظ النسخ. ورغم استحضاري لهذا كله فإني لما ترجمت الفكرة إلى عمل، تكشف لي أن الأمر أكثر مما كنت أتوقع. وأعظم مما كنت أتصور فقد واجهت أخطاء لا حصر لها، وتصرفًا من النساخ غريب يصل إلى حد العبث أحيانًا. بل أكثر من هذا وجدت نفسي في بعض الأحيان أمام تعارض وتناقض بين النسخ لا يحتمل التأويل، ولا يدخل في التصحيف والأخطاء المعتادة عند النساخ.
هذا فضلًا عن الأخطاء الإملائية والنحوية التي قد تتفق عليها كل النسخ في بعض الأحيان.