فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 361

في عهد الخلفاء الراشدين» ولكن هذا لا يعني خوض الصحابة فيها، بل إن المتأخرين منهم - أمثال عبد اللّه بن عباس، وجابر، وأنس، وأبي هريرة، وعقبة بن عمرو - عاصروا ظهور بعض الخائضين في القدر أمثال معبد الجهني وغيلان الدمشقي، وجعد بن درهم ما بين تسعين ومائة من الهجرة، إلا أنهم كانوا يوصون بعدم السلام عليهم، أو عيادتهم، أو الصلاة على جنائزهم 1.

و رغم ما رأيناه من ابتعاد الصحابة عموما عن الجدل والخلافات في مجال العقيدة، فقد حاول مفكرو المعتزلة أن يوجدوا ويؤسسوا لأنفسهم جذورا وأصولا تمتد إلى الصحابة وعلى رأسهم «الخلفاء الأربعة وعبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن مسعود، وحتى عبد اللّه بن عمرو، وأبي الدرداء، وأبي ذر الغفاري، وعبادة بن الصامت» .

واعتبروا أن هذه المجموعة من الصحابة هي طبقة المعتزلة الأولى التي تلتها باقي الطبقات.

ومن الطبيعي أن يتصرف المعتزلة مثل هذا التصرف، في وقت واجهتهم معظم الفرق الإسلامية، واعتبرتهم فرقة مبتدعة غير ملتزمة بالكتاب والسنّة، وذلك لإكساب أنفسهم ومذهبهم الكلامي شرعية دينية وتاريخية.

وقد ركزوا بالخصوص على انتمائهم إلى الإمام علي، حيث أوردوا حوارا طويلا يزعمون أنه جرى بينه وبين شيخ عند منصرفه من معركة صفين، والخلاصة من هذا الحوار أن الإمام علي هو مصدر آرائهم في القضاء والقدر، والوعد والوعيد، وفي هذا الحوار يتساءل الشيخ عن كيفية حصول الجزاء للسائرين إلى معركة صفين، وهم إنما ساقهم القدر إليها، فأجابه الإمام علي بن أبي طالب - كما زعم الحوار-: « ... لو كان ذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، ولما كانت تأتي من اللّه لائمة المذنب، ولا محمدة لمحسن، ولما كان المحسن بثواب الإحسان أولى من المسي ء، ولا المسيء بعقوبة الذنب أولى من المحسن» 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت