الخوض في بحث الملل والنحل قبل التطرق إلى صلب الموضوع، حيث يتعرضون إلى موضوع اللّه وصفاته أولا، ثم ينتقلون للحديث عن أفعاله، ثم يعوضون الحديث عن المسيح بالحديث عن النبوة1.
و الذي أميل إليه، بعد هذا التعقب المسهب لأدلة الطرفين هو الآتي:
1 -إن كثيرا من القضايا المثارة في علم الكلام، والتي نسبت إلى أصل مسيحي أو يهودي أو غيره، هي من القضايا المشتركة لدى كافة الناس مثل مسائل الجبر والاختيار، وشمول الرحمة الإلهية لكافة الناس ... وغيرها.
فلا غضاضة أن نجدها عند كافة متكلمي وفلاسفة الديانات المختلفة، دون أن يدل ذلك بالضرورة على اقتباس أحدهم من الآخر.
2 -إن احتكاك أهل الديانات الأخرى بالمسلمين، وخصوصا في الشام والعراق واليمن، لا شك أنه كان عاملا محفزا لبحث العديد من القضايا، أو الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى، وهذا لا يغض من إسلامية المستفيدين منها، خصوصا وأن هذا الأمر مضت به سنة الأولين، كاستفادة المسلمين في المدينة زمن النبوة من أسلوب الخنادق باقتراح من الصحابي الجليل سلمان الفارسي، أو تدوين الخليفة عمر بن الخطاب للدواوين كأسلوب إداري مقتبس ولكن بمضمون إسلامي.
3 -إن التأثر في مجال علم الكلام، بتراث السابقين له عدة أشكال:
فقد يكون اجترارا لنفس قضاياهم شكلا ومنهجا ومضمونا، وهذا ما سنرى عند كافة الفرق الإسلامية، وقد يكون بأسلمة هذا التناول عن وعي وقصد، وقد يقتصر التأثر على الاستفادة من طريقة إثارة هذه القضايا لدى الغير، واستعمال شيء من مناهجهم التي لا تتعارض مع العقيدة الإسلامية وأسسها، مع غلبة المصادر الإسلامية من قرآن وسنّة على المضمون، وإبداع كبير في المناهج وطرق البحث بما يتواءم مع هذه المصادر الإسلامية، وهذا هو الذي أرجحه.