فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 361

طابعا منهجيا فريدا هو أبو حامد الغزالي في المستصفى، ومع أنه أطال فيها القول على مدى ثمان وستين صفحة1، إلا أنه نبه في بداية الأمر إلى أن القول فيها «مجاوزة لحد هذا العلم (أي علم أصول الفقه) ، وخلط له بالكلام» ، ولذا فهو يجزم أن هذه المقدمة «ليست من جملة علم الأصول، ولا من مقدماته الخاصة به» ، ثم يقول في نوع من الغضب المستشف، وكأنه يرد على المعترضين على إقحام هذه المقدمات: «و من لا يحيط بها فلا ثقة بعلومه أصلا» ولا شك أن هذه مبالغة لا يسوغها إلا ما افترضته من غضب الغزالي، إذ سرعان ما يعود إلى اعتداله وموضوعيته العلمية ليقول للمعترضين: «فمن شاء أن لا يكتب هذه المقدمة فليبدأ بالكتاب من القطب الأول، فإن ذلك هو أول أصول الفقه» وهذا ينسجم مع إقراره قبل ذلك بأن «ذكر حجية العلم والنظر على منكريه استجرار الكلام إلى الأصول» وأن هذا الصنيع من طرف الأصوليين هو من قبيل «إسرافهم في الخلط» ، بين علوم متعددة إلا أن الخروج عن هذا الخطأ الشائع والخلط البين غير ممكن «لأن الفطام عن المألوف شديد، والنفوس عن الغريب نافرة» 2.

و قد انتقد أبو الوليد بن رشد (520 هـ-595) منهج الغزالي في إقحام المقدمات المنطقية في علم الأصول، بمناسبة اختصاره للمستصفى، حيث يقول: «و أبو حامد قدم قبل ذلك مقدمة منطقية، رغم أنه أداه إلى القول في ذلك نظر المتكلمين في هذه الصناعة في أمور منطقية كنظرهم في حد العلم وغير ذلك» ، فالدافع للغزالي إذن هو عمل المتكلمين والمناطقة لا علماء أصول الفقه، وهذا ما حدا بابن رشد وهو المنطقي الفيلسوف اللامع، إلى القول في صرامة منهجية وعلمية واضحة: «و نحن فلنترك كل شيء إلى موضعه، فإن من رام أن يتعلم أشياء أكثر من واحد في وقت واحد لم يمكنه أن يتعلم ولا واحدا منها» 3.

و يعتبر قول ابن رشد حجة عندي، لأنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت