الفقه إلا عنوة، إذ الفقه مختص بأحكام العباد من بني البشر فقط، وخاصة المسلمين منهم، إذا غضضنا النظر عن الخلاف الكلامي في مسألة مخاطبة الكفار بفروع الشريعة.
إلا أن الدافع إلى إقحامها في مصنف لأصول الفقه مثل كتابنا هذا يعود إلى عاملين اثنين: أولهما أن هذه المسألة أثيرت في عصر المؤلف، وحسب قوله، فقد «وقع النزاع بين بعض الفقهاء في سنتنا هذه - وهي سنة ثمان وسبعمائة للهجرة- ... في أن الجن مكلفون بفروع الدين أم لا؟
و استفتي فيها شيخنا أبو العباس أحمد بن تيمية بالقاهرة» 1.
أما العامل الثاني فقد ذكره محقق الكتاب حيث اعتبر أن «الكتاب موسوعة علمية، ولذلك نرى كثيرا من الفوائد والنقول ليست من علم الأصول، ولكن المؤلف يوردها لأدنى مناسبة، وقد يستطرد فيخرج عن الموضوع» ، ويمضي المحقق في الثناء على هذا المسلك، فهو عنده «خروج محبب، إذ يجد الإنسان من الشوارد والفوائد فيه ما لا يجده في غيره» 2.
ولو أجيز الاستطراد في كل العلوم - وليس في أصول الفقه وحده - تحت علة الفائدة والموسوعية والخروج المحبب، كما ذهب المحقق الفاضل، لما عاد لاستقلال العلوم الذاتي والمنهجي داع أو فائدة تذكر.
4 -الإلهام كمصدر للتشريع: تكلم عن هذه المسألة بعض الأصوليين، ومنهم أبو زيد الدبوسي الحنفي (ت 340 هـ) ، وأطال فيها القول في عشر صفحات، مبتدئا بتعريف الإلهام بأنه «ما حرك القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير استدلال بآية ولا نظر في حجة» إلا أنه أردف معقبا بأن جمهور العلماء قالوا: «إنه خيال لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب ما أبيح به العمل» إلا أن بعض مقلدي المذاهب، ويسميهم الحبية قالوا: «إنه حجة بمنزلة الوحي المسموع عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم» 3.