و مما يؤيد ما سبق تقريره، يمكن الرجوع إلى آراء بعض كبار الفقهاء والأصوليين القدماء المعروفين بعطائهم الغني في مختلف مجالات أصول الفقه والقواعد الفقهية، ومن هؤلاء على الخصوص تاج الدين السبكي (ت 771 هـ) ، وبدر الدين الزركشي (745 هـ-794) ، وجلال الدين السيوطي (ت 911 هـ) ثم أخيرا زين الدين بن نجيم (970 هـ) وهو فقيه حنفي، دون أن نهمل القول في رأي القرافي المالكي (ت 684 هـ) والذي يعتبر القواعد الفقهية من أصول الشريعة.
وكذلك بن النجار الحنبلي (972 هـ) الذي يعتبر أن القواعد الفقهية شبيهة بالأدلة.
فأما تاج الدين السبكي فيعتبر العلم بالقواعد الفقهية من الأدوات اللازمة لكل مجتهد، ولذلك فهو يقرر أن الواجب «على طالب التحقيق، ومن يتشوق إلى المقام الأعلى في التصور والتصديق، أن يحكم قواعد الأحكام، ليرجع إليها عند الغموض، وينهض بعب ء الاجتهاد أتم نهوض» 1.
و أما بدر الدين الزركشي فيقرر بعد تحليل طويل أن القواعد الفقهية هي «أصول الفقه على الحقيقة» ، فهي «تضبط للفقيه أصول المذهب» ، وهذا على المستوى المذهبي الخاص، أما على المستوى الفقهي العام، فهي «تطلعه من مآخذ الفقه على نهاية المطلب» ، فإذا تمكن الفقيه من المذهب أولا وتبحر في الفقه العام، أمكنه بعد ذلك، وبناء عليه أن يصبح من المجتهدين، إذ بإحكام القواعد والضوابط الفقهية «يرتقي الفقيه لمراتب الاجتهاد، وهو أصول الفقه على الحقيقة» 2.
إن قول الزركشي وتأكيده على أن القواعد والضوابط هي أصول الفقه على الحقيقة، أمر مفهوم جيدا، فما دام الغرض من الأصول هو الاجتهاد واستنباط الأحكام الفقهية، وما دامت القواعد والضوابط طريق للتمكن الفقهي والقدرة على التحكم في ناصية الفقه واستنباط الأحكام والاجتهاد،