*الملاحظة الثانية:
تتعلق بكون القواعد الفقهية (الأصلية) غير مطردة، أي غير عامة عموما مطلقا، وهذا الحكم لا ينطبق على القواعد الفقهية وحدها، بل على غيرها من القواعد، فما من قاعدة عامة إلا ولها شواذ.
و بناء عليه في حالة صلاحية القواعد الفقهية للاستنباط، وهو ما يقربه التعليق ضمنا، فإن كون «الفروع لا يطرد تخريجها عليها» لا يغض من هذه الصلاحية، بل يجعل لها حدودا واستثناءات وهو أمر طبيعي بالنسبة لكل القواعد العامة حتى في «علوم أخرى إذ لكل قاعدة شواذها وربما القاعدة الفقهية أكثر من غيرها في هذا الشأن» 1.
و قد خصص ابن النجار الحنبلي (ت 972 هـ) للقواعد الفقهية وأهميتها في أصول الفقه فصلا كاملا مطولا في كتابه الأصولي شرح الكوكب المنير، مؤكدا منذ البداية أن هذه القواعد «تشبه الأدلة وليست بأدلة، لكن ثبت مضمونها بالدليل، وصارت يقضى بها في جزئياتها كأنها دليل ذلك الجزئي» ، وهذه الحيثيات هي التي يدرجها في باب الاستدلال، لأنها - حسب قوله: «لما كانت كذلك، ناسب ذكرها في باب الاستدلال» 2.
اكتفى ابن النجار بإيراد أهم القواعد الفقهية الكلية مبرزا علاقتها بأصول الفقه، وصلاحيتها للاستدلال، وهذه القواعد التي أوردها هي:
اليقين لا يرفع بالشك، زوال الضرر بلا ضرر (لا ضرر ولا ضرار) ، الضرورات تبيح المحظورات، المشقة تجلب التيسير، العادة محكمة، جعل المعدوم كالموجود احتياطا، إدارة الأمور في الأحكام على قصدها (الأمور بمقاصدها) .
أما إبرازه لعلاقة هذه القواعد بأصول الفقه وصلاحيتها للاستدلال، فنكتفي بذكر ما قاله بخصوص قاعدة العادة محكمة، حيث يقول: «و مأخذ هذه القاعدة وموضعها من أصول الفقه في قولهم: الوصف المعلل به قد يكون عرفيا، أي من مقتضيات العرف، وفي باب التخصيص في تخصيص