بقوله: «و قد تكلم الصحابة في زمن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في العلل، ففي البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى، لما نهي عن تحريم الحمر يوم خيبر قال: فتحدثنا أنه إنما نهي عنها لأنها لم تخمس، وقال بعضهم: نهي عنها البتة لأنها كانت تأكل العذرة» 1.
كما أن الصحابة في هذه الواقعة ذاتها جرت بينهم وبين الرسول صلّى اللّه عليه وسلم محاورة هامة ترتب عليها الانتقال من الحكم بالأمر الأشد إلى الحكم بالأمر الأخف، ذلك أن الصحابة أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: «ما هذه النيران؟ على أي شيء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «أي لحم؟»
قالوا: الحمر الإنسية، فقال صلّى اللّه عليه وسلم: «أهريقوها واكسروها» (أي أنه أمرهم بكسر القدور التي كان يطبخ فيها لحوم الحمير الأهلية) ، فقال رجل: يا رسول اللّه، أو نهريقها ونغسلها قال: «أو ذاك» (أخرجه البخاري) 2.
و إذا كان حديث معاذ بن جبل المشهور، والذي سبق ذكره، قد حدد أصول الأحكام من القرآن والسنّة أساسا والاجتهاد استثناء، فإن الصحابة الكرام بعد العهد النبوي قرروا هذه الأصول بصفة نهائية، مع التوسع في الاجتهاد لمواكبة الأقضية المتجددة التي تطرأ للناس، بعد انقطاع الوحي، وكان اجتهاد الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين، يتم بصفة جماعية غالبا، حتى إنه ليمكننا الحديث عن بروز ملامح لتأسيس «هيئات تشريعية» أو «مجامع تشريعية» لكنها سرعان ما اختفت بعد انتهاء مرحلة الخلافة الراشدة.
ففي عهد أبي بكر الصديق، كان إذا عرضت عليه قضية ولم يجد لها حكما في الكتاب والسنة، يسأل الناس هل علموا لها حكما قضى به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم؟ فإن وجده عمل به، وإن لم يجد سنة «جمع رؤساء الناس - وهم علماء الصحابة - فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على شيء قضى به» ، وسار عمر بن الخطاب على نفس النهج، مضيفا إلى ذلك الخبرة الاجتهادية السابقة في عهد سلفه أبي بكر، «فإن كان لأبي بكر قضاء قضى به، وإلا