وبالتالي فكل فرع تبنونه على تكفير الحكام كفرًا أكبر لا يستقيم عندنا.
فنقول: ليس من مسألة إلاّ وللناس فيها خلاف لكن لا يعني ذلك تمييعها وعدم معرفة الحق فيها، إذ ليس كل خلاف معتبر.
والحق واحد لا يتعدد قال تعالى: {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ} وقال سبحانه: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} .
ولذلك قال العلماء أن اختلاف التنوع محتمل لأنه اختلاف في الفروع ناتج عن اختلاف في تصحيح حديث أو تضعيفه أو بسبب عدم بلوغه للفقيه ونحو ذلك.
أما اختلاف التضاد خصوصًا في أهم المهمات في الدين كالشرك والتوحيد والإيمان والكفر فلا يجوز ولا يحل لأحد أن يرضى به أو يقره أو يتخذه ذريعة وعذرًا لموالاة المرتدين وأهل الإشراك أو نصرتهم أو مودّتهم بل لابد من البت في هذه المسائل التي تنبني عليها أوثق عرى الإيمان، والوصول إلى الحق فيها لأن الله جل ذكره لم يتركنا هملًا ولا خلقنا عبثًا سبحانه {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} وهو سبحانه لم يفرط في الكتاب من شيء قال تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} فليس من خير إلا ودلنا الله عليه ورغبنا فيه وليس من شر إلا ونبّه الله عليه وحذّر منه {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} .
وهذا الأمر ـ أعني كفر هؤلاء الحكام الطواغيت ـ هو عند من فقه دينه وعرف توحيده أوضح من الشمس في رابعة النهار ولكن ليس من عجب أن يتشوش ضوء الشمس على من في عينيه رمد.
ومرادنا هنا - إن شاء الله تعالى - معالجة ذلك الرمد وإزالة ذلك التشويش بمراهم التوحيد وبإثمد من أدلة الوحيين (الكتاب والسنة) .
فنقول: اعلم أولًا أن هؤلاء الطواغيت لا يكفرون من باب واحد حتى يرد تكفيرهم بمثل هذه الشبهة المتهافتة المبنية على القول المنسوب لابن عباس -رضي الله عنه-"كفر دون كفر"بل هم يكفرون من أبواب عديدة شتى:
• منها: أن لشهادة التوحيد (لا إله إلا الله) ركنان أصليان لا يغني أحدهما عن الآخر.
بل لا بد لقبول هذه الشهادة وصحتها الإتيان بهما جميعًا هما: النفي (لا إله) والإثبات (إلا الله) أو كما بيّن ذلك الله تعالى (الكفر بالطاغوت) و (الإيمان بالله) قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} فمن لم يجمع بين هذين الركنين فإنه لم يستمسك بالعروة الوثقى ومن لم يستمسك بالعروة الوثقى فهو هالك مع الهالكين لأنه ليس من جملة الموحدين بل هو في عداد المشركين أو الكافرين
فهؤلاء الحكام الذين اتخذوا مع الله أندادًا مشرعين لو صدّقنا زعمهم بأنهم مؤمنون بالله فإن هذا لا يكفي للدخول في دائرة التوحيد إذ بقي الركن الآخر الذي ذكره الله هنا قبل ركن الإيمان لأهميته، ألا وهو (الكفر بالطاغوت) .
فإيمانهم بالله دون كفر بالطاغوت هو مثل إيمان قريش بالله دون أن يكفروا بطواغيتهم.
ومعلوم أن هذا الإيمان لم ينفع قريشًا ولا عصم دماءهم أو أموالهم حتى ضمّوا إليه البراءة والكفر بطواغيتهم أما قبل ذلك، فإن إيمانهم المختلط الممزوج بالشرك الظاهر لم ينفعهم لا في أحكام الدنيا ولا في أحكام الآخرة قال تعالى {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ} .
والشرك ناقض للإيمان محبط للأعمال قال تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)