وهكذا يجب أن يُضاف إلى ذلك كل حديث يتكلم في الموضوع نفسه لنحيط بالموضوع من كل جوانبه ولا نكون ممّن يتّبعون ما تشابه من النصوص فيُضم إليه حديث الصحيحين:"أشهد أن لا إله إلا الله وأنّني رسول الله لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غير شاكّ بهما إلا دخل الجنة".
ومثله حديث:"ما من أحد شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صدقًا من قلبه إلا حرّم الله عليه النّار".
ونحو ذلك من الأحاديث وبمثل هذه الطريقة يُفهم الدين ويُنال العلم ويُعرف مراد الله كما يحب ويرضى ولذلك نقل النووي في شرح مسلم (1/ 219) عن بعض أهل العلم قولهم في تأويل هذه الأحاديث أنها"مجملة تحتاج إلى شرح ومعناه من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها وهذا قول الحسن البصري وقيل أن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك وهذا هو قول البخاري"قال النووي:"هذه التأويلات إنما هي إذا حملت الأحاديث على ظاهرها وأما إذا نُزّلت منازلها فلا يشكل تأويلها على ما بينه المحققون".
ومثل ذلك يقال في حديث"البطاقة"فالمراد ببطاقة (لا إله إلا الله) كما عرفت هو تحقيق التوحيد من الإيمان بالله والكفر بالطواغيت وعدم الإتيان بشيء من نواقضها.
فبِردّ هذا الحديث وفهمه على ضوء النصوص المحكمة كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} ، تعرف أنّ السجلاّت التسعة والتسعين هي قطعًا ذنوب غير مكفِّرة أو ذنوب دون الشرك لأن الشرك الذي يناقض هذه البطاقة لا يغفره الله أبدًا كما في الآية وصاحبه لا يدخل الجنة إن مات عليه، ولو أنّ في هذه السجلات ناقض من النواقض لما طاشت به البطاقة ولما نجا صاحبها لأنها ساعتئذٍ لا تكون بطاقة التوحيد الصحيح بل بطاقة كلمة ودعوى منقوضة تقال باللسان دون قصد معناها أو تحقيق لوازمها.
فلو أنّ في هذه السجلات عبادة غير الله أو التشريع مع الله أو نُصرة المشرِّعين وتولِّيهم أو سبّ الدين أو حرب أوليائه لَمَا رجحت أو نفعت أو دخل صاحبها الجنّة إذ هذه كلها موانع وقواطع تقطع وتمنع الفوز والنجاة، لكن السجلات ذنوب دون الشرك.
وفي الحديث بيان أهمية وعظم كلمة التوحيد وبيان أنّ من حقّقها فأتى بها كما يحبّ ربُّنا ويرضى فإن التوحيد بعظمته يغمر جميع الذنوب والخطايا التي هي دون الشرك ويدمغها، ويبين ذلك ويوضحه أيضًا الحديث القدسي:"يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا أتيتك بقرابها مغفرة"رواه الترمذي.
وكذلك حديث حذيفة المذكور"يُسرى على كتاب الله في ليلة فلا تبقى منه في الأرض آية"فهو إن صحّ يُحمل على أنّ هؤلاء الناس الذين لا يعرفون من الشرائع إلا هذه الكلمة محققين لمعناها غير مشركين بالله لأنّ الله لا يغفر أن يشرَك به.
أمّا تركهم الصلاة والصدقة والنُّسك فإن كانوا موحِّدين فإنهم يعذرون بذلك لأنّ هذه الشرائع لا تُعرف إلا بالحجة الرسالية.
وقد ذكر الحديث أن كتاب الله يُرفع في زمنهم فلا تبقى منه في الأرض آية.
وكتاب الله هو الحجّة التي علّق الله النّذارة بها، فقال {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ} فمن بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجّة ومن لم يبلغه فإنه يُعذر بفروع الشريعة لكنه لا يُعذر بترك أصل التوحيد واتِّباع الشرك الصراح والتنديد.
لأن هذا أمر قد أقام الله عليه حجته البالغة من أبواب شتى كما سيأتي بعد.