وحال هؤلاء إن صحّ الحديث كحال زيد بن عمرو بن نفيل الذي كان قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلّم حنيفًا مسلمًا من غير أن يأتيه نبي فإنه حقّق التوحيد وكان على ملة إبراهيم كما في صحيح البخاري وكان يقول كما في رواية ابن إسحاق:"اللهم لو أعلم أحب الوجوه إليك لعبدتك به، ولكني لا أعلمه".
فمثل هذا يعذر بتفاصيل الشرائع التي لا تُعرف إلا عن طريق الرسل فهو لا يدري كيف الصلاة أو الزكاة ولذلك يُعذر فيهما.
أمّا التوحيد فلا ينجو إلا بتحقيقه لأنه حق الله على العبيد الذي بعث من أجله كافة رسله وأقام عليه الحجج المتنوعة.
وهذا كله يُصار إليه إذا كانت لفظة"تنجيهم من النار"مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلّم. لكنّ الصواب أنّها موقوفة مدرجة من قول حذيفة كما قرّره أهل العلم في الحديث.
بل قد ذهب بعض المحققين إلى أن الحديث برمّته لا يصحّ لأن فيه"أبو معاوية خازم الضرير"مدلِّس وفي مروياته عن غير الأعمش ضعف وقد رواه هنا من غير طريق الأعمش وهو فوق ذلك رأس من رؤوس الإرجاء كما ذكر الحافظ بن حجر وغيره وهذا الحديث مما يتمسك ويستدل به المرجئة.
وقد حذّر العلماء من قبول مرويات أهل البدع إن كانت مما ينصر بدعتهم (*) ، وهذا الحديث مما يستنصر به أهل الإرجاء، فكيف إذا انضاف إلى ذلك الضعف والتدليس؟.
أما حديث أُسامة: فإنه في الكافر الذي يُسْلم للتّو ولا يُظهر ناقض من نواقض الإسلام فمثل هذا لا يحل قتله لأنه دخل إلى العصمة فوجب الكف عنه حتى يأتي بناقض.
ولذلك بوّب له النووي في صحيح مسلم (باب تحريم قتل الكافر بعد قوله لا إله إلا الله) ولكن يجب أن يُعلم أنّ هناك فرق كبير بين (ابتداء العصمة و بين استمرارها) فالعصمة تبدأ للكافر بمجرد تلفّظه بكلمة التوحيد ولكن استمرار تلك العصمة لا يكون إلا بالتزام حقوق هذه الكلمة وخلع واجتناب نواقضها.
فالكافر عندما يهمّ بالدخول للإسلام يتلفّظ بكلمة التوحيد ومجرّد تلفّظه يعني استعداده لقبول شرائع الإسلام واستسلامه لحقوقها وبراءته من نواقضها فإن لم يحقق ذلك لم تستمر العصمة التي دخل إليها بالكلمة بل انقطعت.
فالحديث إذًا لرجل أسلم للتّو ولم يُظهر شيئًا من نواقض الإسلام.
وليس هو فيمن يزعم ويدعي الإسلام منذ دهر. وإذا نظرت في حاله وجدته حربًا على الإسلام وأهله سِلمًا للطاغوت وأوليائه وقوانينه وباطله فهذا لو قالها مئات بل ألوف المرات لم تكن لتنفعه حتى ينخلع عن الكفر والشرك والطاغوت الذي يعبده ويتولاّه ويحرسه.
لأنّ هذا هو أهم معاني هذه الكلمة التي لم يحققها دهره كله.
ومثل ذلك قوله تعالى {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا} ، فإنها نزلت كما في الحديث الذي يبيّن سبب نزولها في مجموعة من الصحابة مرّوا برجل معه غنيّمة فسلم عليهم وأظهر الإسلام ولم يُظهر شيئًا من نواقضه ومع هذا فعلوا معه كما فعل أسامة فقتلوه بحجة أنّه قالها خوفًا منهم وأخذوا غنمه.
فأنكر الله تعالى عليهم ذلك في القرآن إذِ الواجب فيمن أظهر لنا الإسلام أن نعامله بظاهره ما لم يُظهر لنا خلاف ذلك.