يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرض مراغمًا كثيرًا وسعة كما قال في مقام اخر من مقامات دعوته عباده المؤمنين الى البراءة من الشرك وأهله: {و إن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم} .
* و آخرون رقّعوا واقعهم المنحرف بحجة المصلحة فزعموا أنّهم يخدمون الدين بوظائفهم هذه المنتنة وواقع حال أكثرهم خدمة جيوبهم وكروشهم وقروشهم ليس إلاّ.
ورحم الله سفيان الثوري يوم قال وهو يوصي بعض أصحابه ويحذرهم من مداهنة السلاطين والدخول عليهم ـ مع أنّ سلاطينهم كانوا يحكِّمون شرع الله إلاّ أنّهم أظهروا بعض المعاصي فكيف بسلاطين الكفر والشرك اليوم؟ قال رحمه الله:"إياك والأمراء أن تدنوا منهم أوتخالطهم في شيء من الأشياء، وإياك أن تخدع ويقال لك لتشفع أو تدرأ عن مظلوم أو ترد مظلمة فإنّ ذلك خديعة إبليس اتّخذها فجّار القرّاء سلّمًا ...".
أجل إنّها خديعة إبليس التي يسمّونها اليوم بمصلحة الدعوة يهدمون بها التوحيد أعظم مصلحة في الوجود ويلبسون الحق بالباطل.
وقد صدق سيد قطب يوم وصفها بأنها أمست عند كثير من الدعاة مزلّة وصارت صنمًا يعبدونه من دون الله.
ولشيخ الإسلام رحمه الله تعالى في ذلك فتوى سُئل فيها عن رجل من أهل السنّة سمع بمجموعة من قطّاع الطرق الذين يجتمعون على قصد الكبائر وقطع الطريق والقتل وفعل الفواحش والمنكرات، وأنّه قصد إلى هدايتهم فلم يتمكّن من ذلك بزعمه، إلا بأن عمل لهم سماعًا بدف بغناء مغني غير فاحش حتى اهتدى منهم خلق، وصار الذين كانوا لا يتورّعون عن الكبائر يتورّعون عن الصغائر والشبهات فهل طريقة هذا الشيخ جائزة ومشروعة؟!
فبيّن رحمه الله تعالى ما ملخصه،"أنّ هذه الطريقة مبتدعة وأنّ في طريقة الرسول الرحمانية غنىً عن الطرق الشيطانية"
فإنّه حتى وإن كانت النتيجة ظاهرها حسن فإنّ الغاية عند أهل الإسلام لا تبرر الوسيلة، فالنجاسة لا تزال بالنجاسة ولا يتطهّر من البول بالبول.
وكما أنّ غاية الداعية عظيمة ومطهّرة فيجب أن تكون وسائله للبلوغ إلى هذه الغاية كذلك.
ومعلوم أن أعظم مصلحة في الوجود هي التوحيد وأن أعظم مفسدة في الوجود هي الشرك فكل مصلحة تعارض تلك المصلحة فإنها مردودة وأي مفسدة أمام مفسدة الشرك فمغمورة.
فلا يحل لأحد يفهم عِظم التوحيد وخطر الشرك أن يصير مِعولًا من معاول هدم التوحيد وحارسًا من حراس الشرك والتنديد، بحجة جلب مصلحة أخرى مزعومة أو درأ مفاسد أخرى مرجوحة أياًّ كانت، ولا أن يجعل دينه كبش فداء ينحره على عتبات مصالح ودنيا الآخرين، والكلام في هذا الباب يطول وله موضعه المفصل (11) ولكن اللّبيب تكفيه منه هنا الإشارة والله المستعان.
الخاتمة
أخيرًا وليس آخرًا فقد سمعنا كثيرًا ممن لم يعرفوا حقيقة هذا التوحيد يقولون: ماذا تستفيدون من تكفير هؤلاء العساكر أو أولئك المخابرات ونحوهم من أنصار الطواغيت؟!
فنقول أولًا: مادام هذا هو حكم الله فليس مهماًّ أن نعرف حكمته، وإنما المهم عند عباد الرحمن أن تنشرح له صدورهم وترضى به نفوسهم وتسلِّم له تسليمًا
ثم نقول: إنّ فوائد ذلك لا يسع هذا المقام لحصرها، ولو لم يكن فيها إلاّ تحقيق التوحيد العملي (ملّة إبراهيم) المتضمِّن للبراءة من الشرك والمشركين لكفى.