فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 431

قال تعالى {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤا مِّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} فالله يدعونا للإقتداء والتّأسي بهذه القدوة الحسنة والملة العظيمة التي أهم أركانها البراءة من الشرك والمشركين والكفر بهم ومعاداتهم فكيف يحقق هذا من لا يعرف الكافر من المسلم؟؟ وممّن يتبرأ وكيف؟! قال تعالى {قُلْ يأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ *} .

وأيضًا من الفوائد العظيمة تمييز الخبيث من الطيب واستبانة سبيل المجرمين.

قال تعالى {وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} فمن لم يعرف الكفر من الإيمان والكافر من المسلم أنّى له أن يستبين سبيل المجرمين وأنّى له أن يميِّز سبيل المؤمنين من سبيل المجرمين؟ ليسلك من ثم سبيل المؤمنين، ويجتنب سبيل المجرمين وكيف سيطبِّق الحب في الله للمؤمنين والبغض في الله للمشركين وذلك من أوثق عرى الإيمان وفي تركه تخبُّط عظيم وفساد كبير.

قال تعالى {وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} .

وتظهر هذه الموالاة وتلكم المعاداة بتحقيق آثارها ولوازمها عمليًا فكيف يحققها من لا يميِّز بين الصفوف؟! والواقع أعظم شاهد على هذا، فإنك تجد من أهمل هذا الأمر واستخفّ به لا يعرف من يحب ومن يبغض ومن يوالي ومن يعادي وتجده يخلط وربما يساوي في المعاملة بين المسلمين والمجرمين مع أنّ الله تعالى أنكر ذلك فقال سبحانه {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} ؟ وقال تعالى {أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ؟} (12)

وقد رتّب الله على ذلك أحكامًا في عصمة الدم وفي الميراث والولاء والنكاح والطعام (الذبح) والمعاملة من سلام ومودّة وغير ذلك من الحقوق الواجبة للمسلم أو الخاصة به من دون سائر الكفار.

ولذلك فإنك تجد فرقًا واضحًا بينًّا بين سبيل الموحدين و طريقة تعاملهم مع الكفار والمشركين، وبين سبيل غيرهم ممن لا يرفعون بهذا الأمر رأسًا ويهملونه، بل ينكرونه على أهل التوحيد و يبدعونهم به، بل منهم يكفّر أهل التوحيد لتجريدهم التوحيد ولبراءتهم من الشرك والتنديد، ولذلك اختلط الحابل بالنابل عندهم فبرءوا من الموحدين وأبغضوهم وعادوهم وأطالوا ألسنتهم بالطعن فيهم وفي دعوتهم، بينما لا يجد منهم أعداء الله إلاّ كل مودّة وإدهان.

ومنهم من يشاركهم في مجالسهم ومهالكهم ولا يفرِّقون بين مصلحة التوحيد العظمى التي تُفرِّق بين المسلمين والمشركين وبين الوحدة الوطنية التي تؤالف وتجمع الكافرين على اختلاف توجّهاتهم وتخلط المتّقين بالفجّار.

ويغفلون أو يتغافلون عن وصف الملائكة للنبي صلى الله عليه وسلّم:"ومحمد فرْق بين الناس"رواه البخاري.

وفي رواية:"فرَّق بين الناس".

ويُعرضون عن هدي الفرقان الذي فرّق بين أهل الشرك وأهل الإيمان وإن كانوا أقرب نسبًا للإنسان.

ومن الفوائد أيضًا أنّ معرفة ذلك تحدِّد طريق الدعوة الصحيحة التي يجب أن يسلكها المرء مع القوم الذين هو بين ظهرانيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت