فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 431

فإنّ كونهم مسلمين يختلف عن كونهم مشركين وكونهم مشركين وثنيِّين يختلف عن كونهم مشركين كتابيِّين وكونهم مرتدِّين يختلف عن كونهم كافرين أصليِّين.

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لمعاذ لمّا بعثه إلى اليمن كما في الحديث المروي في الصحيحين:"إنّك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلاّ الله ... ـ وفي رواية ـ"إلى أن يوحِّدوا الله"فإن هم أجابوك إلى ذلك فأعلمهم أنّ الله قد افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة ... الحديث".

فتأمل كيف عرّفه بحالهم وحكمهم، ثم رتب على ذلك طريقة الدعوة والتعامل معهم وغير ذلك من الفوائد التي ليس هذا مقام حصرها

وختامًا فليتّق الله فينا وفي أنفسهم أولئك الجهال أو المفترين الذين يرموننا بتكفير الناس كلهم بالعموم دون أن يسمعوا ما نقول، أو يقرؤوا ما نكتب، فإنهم معروضون على رب لا تخفى عليه خافية وأقوالهم محصية في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ إحصاها وقد قال تعالى {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:"من قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله رَدْغة الخبال حتى يأتي بالمخرج مما قال". رواه أبو داود والطبراني وغيرهما.

فها نحن نقولها صريحة واضحة بيِّنة: إننا لا نُكفِّر مسلمًا بذنب غير مكفِّر ما لم يستحِلّه، ولا نكفِّر الناس كلهم بالعموم كما يرمينا بذلك أعداؤنا من الطواغيت ويبهتنا به خصومنا من جماعات الإرجاء وإنّما نكفِّر من هدم التوحيد أو أعان على هدمه أو أتى بشيء من نواقضه أو عادى أهله نصرة لأعدائه من أهل الشرك والتنديد ومظاهرة لهم على الموحدين.

ونعرف أنّ للكفر شروطًا وموانع ولا نكفِّر إلاّ باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع ونعلم أنّ المرء قد يصدر منه قول الكفر أو عمله، ولا يكفر لقيام مانع من موانع التكفير.

وكل ما تكلمنا به في هذه الأوراق وغيرها إنّما هو في كفر أعداء التوحيد وعساكر الشرك والتنديد الذين مرقوا من الدين وحاربوا أهله ونصروا الدستور الشركي والقانون الوضعي.

وكفر هؤلاء أوضح عندنا من الشمس في رابعة النهار بالأدلّة الشرعية وليس بالهوى أو التقليد أو الاستحسان.

فنقول لخصومنا: اتّقوا الله {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} بيننا وبينكم كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلّم لا نقبل حكمًا غير ذلك إيتونا منه بدليل وبرهان ينقض ما قلناه وستجدوننا إن شاء الله تعالى أسعد الناس به وأول من يرجع إليه {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} .

أمّا الشقشقات الفارغة والسفسطات الجوفاء والاتهامات الباطلة التي لا يسندها دليل وبرهان شرعي ولا تنبني على الكتاب والسنة فإنها مردودة على صاحبها ومن لم يقبل بالدليل الشرعي ويذعن له وينقاد فلا خير فيه ولا ينفع فيه تقصير أو تطويل الكلام.

قال تعالى {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ} .

ورحم الله ابن القيِّم إذ يقول في نونيّته عن الكتاب والسنة:

من لم يكن يكفيه ذان

فلا كفاه الله شرَّ حوادث الأزمان

من لم يكن يشفيه ذان

فلا شفاه الله في قلب ولا أبدان

من لم يكن يغنيه ذان

رماه رب العرش بالإقلال والحرمان

إنّ الكلام مع الكبار وليس مع

تلك الأراذل سفلة الحيوان

وصلى الله وسلّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت