يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ولا يجوز بعد ثبوت الحد بالبينة عليه أو بالإقرار تأخيره، لا بحبس ولا مال يفتدى به ولا غيره، بل تقطع يده في الأوقات المعظمة وغيرها، فإن إقامة الحدود رحمة من الله بعبادة .. ) اهـ.
بقي أن تعلم أن عبيد الياسق لم يكتفوا بتعطيل حدود الله تَعَالى في السرقة وغيرها ... بل عطّلوا وتلاعبوا حتى في قوانينهم وعقوباتهم الهزيلة هذه التي استبدلوها بالحدود، وذلك عن طريق كثير من القوانين المسهلة والمهونة التي ذكرنا بعضها فيما تقدم، كقانون الأحداث الذي نص على أن الأحكام لا تطبق على الشاب البالغ العاقل ما دام لم يتعدّ الثامنة عشرة من عمره ولو بأيام قلائل.
ونضيف هنا مادة أخرى من موادهم المسهلة (المُلَيِّنة) وهي المادة رقم (87) من قانون الجزاء والتي تنص على جواز الإفراج عن كل محكوم عنه بالحبس قضى ثلاثة أرباع المدة المحكوم عليه ... ).
فارجع إليها بتفاصيلها في قانون الجزاء .. بند (الإفراج تحت شرط) .
-والمادة رقم (81) من القانون نفسه تحت بند (تخفيف العقوبة وتشديدها) ونصها: (إذا اتهم شخص بجريمة تستوجب الحكم بالحبس جاز للمحكمة إذا رأت من أخلاقه أو ماضيه أو سنه أو الظروف التي ارتكب فيها جريمته أو تفاهة هذه الجريمة ما يبعث على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى الإجرام أن تقرر الامتناع عن النطق بالعقاب ... الخ) .
-والمادة رقم (82) من القانون نفسه والتي تنص على أنه يجوز للمحكمة إذا قضت بحبس المتهم مدة لا تجاوز سنتين أو بالغرامة، أن تأمر بوقف تنفيذ الحكم، إذا تبين من أخلاق المتهم أو ماضية أو سنه أو الظروف التي ارتكبت فيها الجريمة ما يحمل على الاعتقاد بأنه لن يعود إلى الإجرام .. الخ).
ولا يخفى على البصير كم تفتح لهم هذه المواد من أبواب التلاعب والتمييع خصوصًا إذا كان من يُقدِّر أخلاق المتهم وماضيه وظروف الجريمة؛ ممن لا خلاق لهم ولا أخلاق.
-أضف إلى ذلك مادة حفظ التحقيق وهي المادة رقم (103) المرقعة من قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية، وكذا المادة (104) المرقعة أيضا، والتي تنص على أن (للنائب العام أن يُصدر قرارًا بحفظ التحقيق نهائيًا ولو كانت هناك جريمة وكانت الأدلة كافية، إذا وجد أن في تفاهة الجريمة أو ظروفها ما يبرر هذا التصرف) وتأمل كلمة (تفاهة الجريمة) واربطها باستخفافهم بحرمات الله، وبواقع حياتهم النجس، لتتعرف على النتائج الوخيمة التي يمكن أن يستفيدونها منها ..
وكذا المادة (4) من قانون الجزاء ونصها (تسقط الدعوى الجزائية في الجنايات بمضي عشر سنوات من يوم وقوع الجناية ... الخ) .
وكذلك المادة رقم (15) من القانون نفسه تحت باب (سريان القانون من حيث المكان ومن حيث الزمان) والتي تنص على أنه: (إذا صدر بعد ارتكاب الفعل أو قبل أن يحكم فيه نهائيًا، قانون أصلح للمتهم وجب تطبيق هذا القانون دون غيره ومع ذلك إذا صدر بعد الحكم النهائي قانون يجعل الفعل غير معاقب عليه إطلاقًا وجب تطبيق هذا القانون واعتبار الحكم كأن لم يكن) .
وغير ذلك من تلاعبهم وعبثهم في دين ودماء وأموال وأعراض العباد والبلاد ..
فهذه الترقيعات والتسهيلات والتهوينات إذا أضفتها كلها إلى هزالة أحكامهم وعقوباتهم التي جعلوها بدل حدود الله تعالى، أضفت إليها ما تقدم من أبواب أكل أموال الناس بالباطل كإباحتهم