ومعلوم أن الضرورات تقدر بقدرها .. وأن الميسور لا يسقط بالمعسور، وكل إنسان أخبر وأعرف بنفسه وصدق ضرورته من زورها .. تمامًا كمعرفته بنجاسته وطهارته .. وكفى بنفسه اليوم عليه حسيبًا وبربك عليك رقيبًا ..
ومعلوم أن الإكراه على إظهار الكفر أو موالاة الكفار أو التحاكم إلى الطاغوت ليس كالإكراه على سائر المعاصي .. وأن عمارًا ? الذي أنزلت بسببه آيات الإكراه .. والذي يحتج كثير من المتهاونين دومًا بفعله .. لم يقل ? ما قال إلاّ بعدما ذاق من أصناف الضرب والعذاب، وأوذي في الله أذى شديدًا، فكسرت ضلوعه وقتل أبواه وغير ذلك مما يجب على المحتج بقصته أن يتذكره ويستحضره إن كان منصفًا ..
ورحم الله الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إذ يخاطب بعض أهل زمانه ممن هم على شاكلة، فيقول: (رضي الله عن عمار تبرأ من المشركين وسبهم وسب دينهم ومعبوداتهم فلذلك تصدوا له ولأهله بالعداوة الشديدة، وما ثم قرية ولا قبيلة على الإسلام، فجعلوا يضربونه أشد الضرب ويعذبونه أشد العذاب وحبسوه في بئر ميمون، وقتلوا أباه وأمه وكان النبي ? إذا مر بهم يقول:(صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة) ومع هذا وغيره لم يقع منه إلاّ القول دون الفعل. وأنتم سارعتم بلا إكراه وقلتم وفعلتم تقربًا إليهم واختيارًا من غير أن يكون منهم طلب لما فعلتموه، فما طلبوا منكم ذلك ولا امتنعتم، ولا أكرهتم عليه فأين أنتم من عمّار فهو وأنتم في طرفي نقيض، شعرا ..
سارت مشرقة وسرت مغربًا شتان بين مشرق ومغرب) اهـ
ثم قال ص (124) من الكتاب نفسه بعدما ذكر بعض مواقف الثبات لأصحاب النبي ?: (فهذه حال أصحاب رسول الله ? وما لقوا من المشركين من شدة الأذى، فأين هذا من حال هؤلاء المفتونين الذين سارعوا إلى الباطل وأوضعوا فيه وأقبلوا وأدبروا وتوددوا وداهنوا وركنوا وعظّموا ومدحوا؟ فكان أشبه بما قال الله تعالى: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا} [الأحزاب: 14] . نسأل الله الثبات على الإسلام) انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وكأنه يتكلم في زماننا ..
ولعل قائلًا ممن لا يشعرون بمصاب الإسلام وما حل به من فتن وضلالات القوانين وعبيدها يقول: قد هوّلت الأمر. فأقول: بل الأمر والله أهول وأكبر مما حسبتم وأعظم مما سمعتم {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} ومن عرف قدر التوحيد وعظمته عند الله تعالى، وخطر الشرك وعظم مفسدته وكثرة أبوابه وذرائعه وكثرة المتساقطين الهالكين فيه في زماننا هذا، وكان في قلبه حياة وغيرة وغضب لله ولحرماته وشرعه، عرف خطورة وعظم المصيبة التي حلت وتحل في الإسلام والمسلمين، ولكن أكثر من ترى والعياذ بالله قد ماتت قلوبهم وأشرِبت هذا الباطل واعتادته واستمرأته فاستهونته واستصغرته .. وأصبح عند كثير منهم كذباب وقف على أنفه فقال له بيده هكذا .. فغالب من نراهم اليوم يحتجون بالضرورات والإكراه، لم يُحبسوا ولم يوثقوا ولم يضربوا ولم يعذبوا ولا نالهم عشر معشار ما نال عمّار ?، وتراهم مع هذا مهطعين إلى كل هاوية وطامة مما يهدم أصول الدين ويقوضها، ظانين أن مجرد الخوف على فوات بعض قشور الدنيا ومتاعها من وظيفة أو منصب أو سكن أو وطن يبيح لهم نحر التوحيد وذبح العقيدة ..