وقد كان القيام بهذا الواجب امتدادًا لعودة صادقة للإسلام ظهرت قبل ذلك بعدة سنوات وكان من أهم مظاهرها تلك الحركة التي نشأت في جامعات مصر تحت اسم (( الجماعة الإسلامية ) ).
ثم إن تلك الحوادث لم تكن إلا جانبًا واحدًا من جوانب عدة تشمل الدعوة إلى الله ? ونشر العقيدة السلفية الصحيحة وتربية الشباب تربية إسلامية تعتمد على العلم الشرعي وتزكية النفس بأنواع الطاعات والعبادات، بل وتشمل أيضًا العمل الاجتماعي الخيري؛ كمساعدة الفقراء والمحتاجين، والقيام بجهود الوساطة للصلح بين العائلات التي تقوم بينها المعارك والحروب بسبب انتشار عادة الأخذ بالثأر المعروفة في صعيد مصر.
وكان الإعلام الخبيث - ولا يزال - يركز على جانب واحد من تلك الجوانب ويظهره على غير حقيقته وهو جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو حتى في هذا الجانب كان يهمل عشرات الحالات التي يتم فيها تغيير المنكر بيسر وسهولة عن طريق اقتناع القائمين به بخطأ ما هم عليه بينما يتم التركيز على تلك الحالات القليلة التي تدعو فيها الحاجة إلى شيء من الشدة والقوة ويسميها تطرفًا وإرهابًا واعتداءً على حريات الآخرين.
وفي تلك الفترة وما بعدها كان النظام الحاكم في مصر يجرب أنواعًا من وسائل مواجهة الحركة الإسلامية للقضاء عليها، فإلى جانب الملاحقات الأمنية التي لم تنقطع في وقت من الأوقات (1) كانت تلك الحملات الإعلامية التي أشرنا إلى شيء منها، وكان من أخطر الوسائل التي استخدمها النظام العلماني استمالة طائفة من المشايخ والمنتسبين للعلم الشرعي ليبرروا للنظام باطله ويكونوا عونًا له في حرب دعاة الحق الصادقين.
وكان على رأس هؤلاء الشيخ / سيد طنطاوي مفتي الجمهورية* و د/ محمد علي محجوب وزير الأوقاف، فقد توليا كبر هذا الأمر، وأخذا يجوبان مدن مصر من أجل تنفيذ الغاية السابقة. وكان من فضل الله ? أن عقدت بعض المناظرات بين مشايخ السلطان وبين الدعاة وطلبة العلم اتضح بها الحق لدى كثير من الناس بحمد الله ?.
وكان من قدر العبد الفقير - كاتب هذه السطور - أن شارك في مناظرة كان طرفها الآخر المفتي ووزير الأوقاف وعُقدت في مدينة أسيوط (كان ذلك في أوائل العام 1408 هـ) وقد وفقنا الله فيها لبيان بعض القضايا الشرعية التي كان من أهمها القضية التي نحن بصددها: قضية تغيير المنكر باليد لآحاد الرعية، وقد ذكرنا في ذلك بعض الأدلة الشرعية وأقوال العلماء الدالة على الإجماع على أن تغيير المنكر باليد ليس قاصرًا على الحكام، أما المفتي والوزير - وهما حاملا لواء الدعوة إلى أن تغيير المنكر باليد لا يجوز لغير الحكام - فقد كانت أدلتهما في تلك المناظرة بعض التحكمات العقلية في مقابل النصوص الشرعية من مثل القول بأن تغيير المنكر باليد من قِبَل غير الحكام يؤدي إلى الفوضى، أو التمسك بعمومات ليست في محل النزاع كالقول بأن الإسلام دين الرفق والسماحة وأن الدعوة لا بد أن تكون بالموعظة الحسنة، وأخيرًا قال المفتي إنه المفتي الرسمي للدولة بما يعني أن فتواه لا بد أن تكون ملزمة للجميع، وهذا قول مردود؛ فإنه ليس لأحد - كائنًا من كان - أن يلزمنا بما يخالف كتاب الله وسنة رسوله ?، ثم إننا نقول: إن كنت ترى أن إلزامك لنا مبني على أنك مُعين من قبل رئيس الدولة، فإنه عندنا حاكم ساقط الشرعية، لا ولاية له على المسلمين (2) .
وفي تلك الفترة كثُر اللغط حول هذه القضية، وصار كل من هب ودب يتكلم فيها، وصار أمرًا عاديًا أن تتناقل وسائل الإعلام الحكومية كل يوم تقريبًا تصريحات للمفتي ووزير الأوقاف حول هذا الموضوع، ووصل الأمر بوزير الأوقاف إلى أن قال حول المناظرة التي أشرت إليها إنه