حين ذهب إلى أسيوط وجد سبع جماعات يكفر بعضها بعضًا، وإنه قد تقدم طالب جامعي صغير ليناظره هو والمفتي.
والحق أن هذا لم يكن إلا محض كذب وافتراء (3) .
في تلك الأجواء رأيت الحاجة داعية إلى كتابة هذه الرسالة التي بَيَّنتُ فيها - بحمد الله تعالى - ما أراه صوابًا في هذه المسألة، مؤيدًا بالأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله ثم بأقوال أهل العلم من سلف هذه الأمة ومن سار على دربهم واقتفى أثرهم.
ولعله من تمام القول في ذلك أن أذكر أنه عُقد فيما بعد (في جمادى الثانية 1409 هـ) مؤتمر في الجامع الأزهر تحدث فيه كل من الشيخ / متولي الشعراوي والشيخ / محمد الغزالي والشيخ / الطيب النجار، وفي نهاية المؤتمر ألقى الشيخ الشعراوي بيانًا قالت الصحف يومها إنه قد وقَّع عليه كل من الشيخ الشعراوي والشيخ الغزالي والدكتور يوسف القرضاوي. وقد كان ذلك البيان -مع الأسف الشديد- حلقة في سلسلة الحرب التي شنها النظام العلماني في مصر ضد الحركة الإسلامية، ويكفي أن نقرأ من هذا البيان الفقرة التي تقول: (( ... ونحن نعتقد في إيمان المسئولين في مصر، وأنهم لا يردون على الله حكمًا ولا ينكرون للإسلام مبدأ، وأنهم يعملون على أن تبلغ الدعوة الإسلامية مداها تحقيقًا وتطبيقًا ) ) (4) .
وهذا قول لا يحتاج إلى رد، وكل منصف متابع للأحوال في مصر يعلم بطلانه. ومما جاء في هذا البيان أيضًا: (( ... بل الثابت في كل العصور أن الذي يقوم بتنفيذ الحدود وتغيير المنكر باليد هم أولياء الأمور وحدهم ) ) (4) ،وهذا قول إن صح في مسألة تنفيذ الحدود، فإنه لا يصح في مسألة تغيير المنكر كما يجده القارئ الكريم مفصلًا في هذه الرسالة.
ولست الآن في معرض الرد المفصل على هذا البيان، وإنما أشرت إليه لتعلقه بموضوع هذه الرسالة، ولكونه قد اُستغل من قِبل زبانية التعذيب في التنكيل بشباب الإسلام، فإني أذكر أن بعض أولئك الزبانية كان يقول لمن يعذبهم بعد صدور هذا البيان: (( أتدرون بم وصفكم الشيخ الغزالي في المؤتمر؟ إنه قال إنكم بُله، أما الشيخ الشعراوي فقد قال إنكم خوارج؛ أي أننا نسجنكم ونعذبكم ونقتلكم بفتوى العلماء ) )، فهل يعي هؤلاء العلماء خطورة ما أقدموا عليه؟!
ومن عجيب تصاريف القدر أن العلماء الثلاثة الذين نُسب إليهم توقيع البيان قد تعرضوا بعد ذلك لهجوم حاد من قِبل زكي بدر - وزير داخلية النظام المصري في ذلك الوقت - حيث أمطر كلًا منهم بوابل مما كانت تسميه صحافة المعارضة وقتها بقاموس الشتائم البدري؛ وهو طائفة من البذاءات أُنزه هذا الكتاب عن إثبات شيء منها فيه، فهل يصدق فيهم القول بأن: [من أعان ظالمًا سلطه الله عليه] (5) ؟
وبعد: فقد كانت تلك إشارة سريعة إلى ظروف كتابة هذه الدراسة منذ ما يزيد على سبع سنين، وكنت بين الحين والآخر أعيد النظر في مادتها، فأحذف شيئًا وأضيف شيئًا وأختصر شيئًا وأبسط شيئًا حتى بدت بهذه الصورة التي بين يديك - أخي القارئ - ثم شعرت بعد إلحاح من بعض إخواني في الله بأهمية إعادة طبعها بصورة جيدة، خصوصًا وقد وجدت بعض من كتبوا عن الحركة الإسلامية في مصر قد أشاروا إليها باعتبارها معبرة عن رأي فصيل مهم من فصائل تلك الحركة (6) .
وأخيرًا فهذا جهدي المتواضع أقدمه للقراء الكرام فما كان فيه من صواب فمن الله وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه، وأنا راجع عن كل قول يخالف الكتاب والسنة في حياتي وبعد مماتي، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتب عبد الآخر حماد الغنيمي
في يوم الإثنين الموافق 21 محرم 1416 هـ
19 يونيو 1995