فهرس الكتاب

الصفحة 294 من 431

غير كلمات الله التشريعية، وهي كلمات التكوينية، فتطور التشريع ليوافق الحق المطلق، وهو ما جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذا جانب الافتراق.

قصة ابني آدم عليه السلام ككل القصص القرآني فيها من العبر والعظات التي تؤكد حكمة الرب سبحانه وتعالى، وتؤكد الحق المطلق الذي جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد قلنا إن في قصة آدم جانبا يفترق عن شريعة الإسلام، وهو جانب كف اليد عن المعتدي إذا أرادك بسوء وظلم، وقد نستطيع القول إن هذا الجانب كذلك لا يفترق عن شريعة الإسلام، وهو كف اليد عن المسلمين حتى لو أرادوك بظلم وشر، وأن تكن كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل) ، وهذا قطعا وجزما هو مع المسلمين من بني عقيدتك ودينك، فالحديث الأول يذكر في زمن الفتن الواقعة بين المسلمين، وكذلك الحديث الثاني، أما مع غير المسلمين فلا بد من استحضار قوله -صلى الله عليه وسلم-: (( لا يجتمع كافر وقاتله في النار ) )وهو حديث فيه الترغيب في قتل الكافر، فكلما قتل المسلم من الكافرين كلما باعد الله بينه وبين جهنم، وقد كان الصحابة -رضي الله عنه-م يتنافسون في قتل أعداء الله تعالى كما في قصة ابني عفراء مع أبي جهل، فهما جانبان يحضران في نفس المسلم في الوقت ذاته {أعزة على الكافرين} {أذلة على المؤمنين} لكن لو قلنا أن شريعة ابن آدم الأول كانت تمنع بسط اليد إلى أي أحد كائنا من كان فما هو وجه ذكرها في القرآن؟ ولماذا تذكر بعض الجوانب في قصص الأنبياء في القرآن الكريم مما لا تلتقي مع شريعة الإسلام؟ فما هي الحكمة في ذلك؟.

إن المقارنة بين الشريعتين شريعة الأوائل وشريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- - مهمة من مهمات القرآن الكريم، لأن فيها من الله تعالى على عباده في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- بأنه لم يشرع لهم إلا الأفضل، ولم يعطهم إلا خير ما عنده سبحانه وتعالى في علاه، فالأوائل استؤمنوا على كتبهم فخانوها وبدلوها، فدل هذا التبديل والتحريف أن الناس لن يكونوا أوفياء لكتبهم، فمن الله تعالى على هذه الأمة بأن نزع منها حق الحفاظ على الكتاب وألزم الرب جل في علاه نفسه بأن يحفظه {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} وكان الأوائل يقتلون أنبياءهم، فعصم الله نبي هذه الأمة من أعدائه {والله يعصمك من الناس} ومسيرة الأنبياء مع أقوامهم دلت على أن كل نبي أتى إنما أعطاه الله سبحانه وتعالى ما ظهر لمن قبله أنه محتاج إليه، ولو تفرغ بعض طلبة العلم ليرى تطور منهج الأنبياء في الدعوة لرأى العجب العجاب، ومع أن هذا التطور شرعي ورباني، أي أنه وضع إلهي، ولكن مع توقيفه إلا أن الله سبحانه وتعالى يعلم عباده فوائد ما فرض عليهم من تطور جديد من خلال تجربة النبي السابق، لتظهر حكمة الله تعالى في التشريع الجديد، وليشعر النبي وأتباعه أن هذا الفارق كان له ما يبرره من حكمة الله تعالى، وهذا كله من رحمة الله تعالى بعباده.

لقد كان سبحانه قادرا {لا يسأل عما يفعل} أن يقيم هذه الحياة في أسس وجودها القائمة على الصراع بين إرادة الله سبحانه وتعالى وبين إرادة الشيطان، إرادة الله تعالى التي تقدم للناس الحق، وتجزي على الخير الأجور المضاعفة، وبين إرادة الشيطان التي تقدم للناس الباطل، وتجزي أتباعها يوم القيامة {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} وقوله لهم: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم} وغيرها من عبارات البراءة والإبعاد، لقد كان الله قادرا أن يقيم هذه الحياة على هذا الصراع من غير المقدمة التي تمت في السماء والتي تبرر هذا الصراع على الإنسان، لكن الله سبحانه وتعالى حكيم ورحيم بعباده، فإنه قدم لهم هذا الصراع مع مقدمة كونية حقيقية لتكون أدعى لقبولهم وأرجى لاستجابتهم، فسبحانه في علاه يدعوهم إلى الحق بكل الصور التي تدفعهم للقبول والرضا، إذ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت