سبحانه لا يشرع لعباده من أمر إلا ويقطع لهم من الحقائق الكونية التي تثبت لنفوس البشر التواقة للمعرفة أن ما قاله وشرعه موافق لما خلقه وأبدعه، {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتّى يتبيّن لهم أنّه الحقّ} وهذا قد حدث مع حركة الأنبياء وسيرتهم مع أقوامهم، فما من نبيّ إلاّ وقد أغنى النّبيّ القادم بعده بتجربة يتواصل معها القادم ليعطي ثمرة أن يكون أكثر ونتيجة أعظم، ولذلك فليس من الغريب أكثر الأنبياء أتباعًا هم آخر الأنبياء، موسى وعيسى ومحمّد عليهم الصّلاة والسّلام، وعدد أتباعهم كثرة على التّوالي، وأكثرهم تابعًا هو محمّد -صلى الله عليه وسلم-، فها هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعو إلى الله تعالى كما دعا نوح عليه السّلام مدّة ثلاثة عشر سنة في مكّة فلم يستجب له إلاّ القليل كما قال عن نوح {وما آمن معه إلاّ قليل} . ومحمّد عليه السّلام في دعوته على منهج نوح لم يستجب له إلاّ القليل، فشرع لهم طريقًا آخر في الدّعوة وهو اجتماع كلمة الحقّ مع القوّة والسّيف، فبهذه الطّريق دخل النّاس في دين الله تعالى أفواجًا، هكذا ينبغي أن نفهم قصص الأنبياء في القرآن، وهي صورة المقارنة بين طريقة الأوائل وطريقة محمّد -صلى الله عليه وسلم- ليعلّم أتباعه أنّهم هم الأقوى طريقًا والأسلم منهجًا، فلا يحيدون عنه لأنّهم يرون نتائج الطّرائق الأولى ونتائج طريقة المتأخّر، وللتّدليل على هذا الذي قدّمتُ أذكر هذا الأمر وهو أنّ لوطا عليه السّلام في صراعه مع قومه تمنّى أن يكون معه شيء آخر في دعوته إلى الله غير الكلمة الحسنة في مجابهته لقومه الكافرين، قال لوط عليه السّلام: {لو أنّ لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد} هذه العبارة التي قالها لوط تحمل معها الدّعاء والرّجاء، إذ يتمنّى أن تكون معه قوّة لتساعده في الدّعوة لأنّه اكتشف أنّه لا بدّ أن يكون مع الكلمة قوّة يقاتل بها وركن شديد يؤوى إليه، فهذه تجربة نبويّة لا بدّ أن يستثمرها النّبيّ اللاحق وذلك بتشريع ربّانيّ. فكان الذي بعده لا بدّ له من ركن شديد يأوي إليه، قال -صلى الله عليه وسلم- بعد أن قرأ الآيات السّابقة {لو أنّ لي بكم قوّة أو آوي إلى ركن شديد} قال: (( رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله عزّ وجل - فما بعث الله بعده من نبيّ إلاّ في ثروة من قومه ) )، فدلّ هذا على تطوّر مسيرة الأنبياء في دعوتهم إلى الله بطريقة سننيّة، فإذا جاء تشريع جديد فهو بيّن الضّرورة، واضح السّبب.
لماذا ذكرت قصّة ابني آدم في القرآن الكريم؟:
لقد ظهر من قصّة ابني آدم أنّ النّفوس البشريّة لا ترتدع بالكلمة، ولنقل إن الكثير منها لا ترتدع بالكلمة وهو الأصل في النّفوس، وأنّه لا بدّ أن يشارك الكلمة الحسنة التي تقنع العقل بالصّواب عصًا تردع النّفس الرّاغبة في الشّر، لأنّ الإنسان قد يقتنع بالحقّ ويعلمه ويدركه، ولكن يمنعه من اتّباعه هوى النّفس وشهواتها، فلا بدّ من علاج القسمين: الفكر والنّفس، فالفكر يعالج بالموعظة والذّكرى والمجادلة، والنّفس ترتدع بالعصا والسّيف، والرّهبة من العقاب، وهذا هو الصّواب في التّربية كما أمر -صلى الله عليه وسلم- راعي البيت أن يعلّق العصا في بيته ليراها أهله تخويفًا لهم من ارتكاب المخالفات، وتجربة ابن آدم الأوّل كشفت لنا هذا الأمر، فهذا أخ شقيق (وجود العاطفة النّسبيّة الصّلبيّة) تدفعه نفسه إلى قتل أخيه رغبة في الشّهوة النّفسيّة، فيعظه أخوه {إنّي أخاف الله} ويخوّفه العقاب {فتكون من أصحاب النّار} ، ولكنّ هذه الشّهوة أعمته عن العاطفة الأخويّة، وعن الموعظة العقليّة وعن رؤية العقاب الآجل، فقتله {فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله} ثمّ ذهب بعد ذلك نادمًا {فأصبح من النّادمين} ، لكنّ المعصية قد وقعت وقتل ابن آدم الصّالح. فهل تشريع ابن آدم الأوّل نفع في منع وقوع المعصية؟ أبدًا لم ينفع. إذن لا بدّ من تشريع يمنع من وقوع المعصية.